رجلٌ يرى ما لا يراه غيره، ويصبر على ما لا يصبر عليه سواه “أبو جعفر المنصور” كان ذلك الرجل. لم يكن ملاكًا، ولم يكن شيطانًا، كان شيئًا أصعب من الاثنين.. كان خليفة.
“الميلاد والنشأة”
في عام خمسة وتسعين من الهجرة، وُلد عبد الله المنصور في منطقة الحُمَيمة في بلاد الشام، من نسل العباس عم الرسول ﷺ، وكنيته “أبو جعفر المنصور”. كانت الحُمَيمة يومئذٍ موئل الأسرة العباسية، تلك الأسرة التي تعيش على جمر الطموح المكتوم، تُحرك دعوتها في السر، وتُطيل النظر إلى أفق السلطة الأمويَّة المُسيطرة.
نشأ عبد الله في كنف أسرة تعيش على إيقاع الدعوة الخفية، تبني شبكاتها، وتزرع دعاتها في القلوب قبل أن تزرعهم في الأرض، كان والده” محمد بن علي” رجلًا بعيد النظر، أدرك أن الخلافة لا تُؤخَذ بالبكاء على الأطلال، بل بالتدبير الذي يطول أمده ولا يُعجَل به.
ترعرع عبد الله في هذا المناخ السياسي المشحون، فتشرَّب العلم والسياسة معًا. كان يجلس إلى العلماء ويُناقش أمور الفقه والكلام، وفي الوقت ذاته يُصغي إلى حديث الدعاة، عاش طويلًا يرى كيف يتحول الحلم إلى خطة، والخطة إلى ثورة، والثورة إلى دولة.
أشد ما شكَّله تلك الحياة التي عاشها بين الخوف والرجاء؛ خوف المطاردة الأمويَّة التي لاحقت آل العباس، ولعل هذا ما جعله لاحقًا أحرص الخلفاء على الدولة وأشدهم تمسكًا بمركزية السلطة؛ لأنه عرف أن نشأته ثمن ما يملك، وتولَّى الخلافة عام (136) للهجرة بعد وفاة أخيه، وكان عمره يومئذٍ يناهز الحادية والأربعين.
“العاصمة بغداد”
“ما رأيتُ موضعًا أصلح لهذه المدينة من هذا”. قالها المنصور وهو يقف على ضفة دجلة، وتلك الكلمات كانت شهادة ميلاد مدينة بغداد عام (145) للهجرة. كانت بغداد مدينة الدائرة الشهيرة؛ دار الخلافة في المركز، وحولها دوائر متحدة من الأسواق والمساكن والحارات. لم يُصمَّم هذا الشكل للجمال وحده، بل للحماية والسيطرة أيضًا؛ فالخليفة في مركز كل شيء يرى ولا يُحاط به.
وبالتوازي مع البناء، أرسى المنصور دعائم الدولة العباسية من الداخل؛ نظَّم الجيش وأحكم قبضته على الولايات، وضبط بيت المال بيد حديدية حتى لُقّب بـ”أبي الدوانيق” كنايةً عن شدة حرصه على المال العام، وفي ميدان العلم والفكر، كان المنصور أول من فتح أبواب الترجمة على نطاق واسع؛ أمر بنقل كتب الهند في الفلك والرياضيات، ونقل الإرث اليوناني إلى العربيَّة.
“مزيج المنصور النادر”
كان المنصور مزيجًا يصعب الإمساك بأطرافه كلها: عالمٌ يُجيد الفقه، وسياسيٌّ يحكم القبضة ولا يترك للصدفة مكانًا. ووصفه البعض بأنه “أعقل خلفاء بني العباس”، وهو وصف لا يعني البراءة من الدم، بل يعني تلك المَلكة النادرة في ربط الغاية بالوسيلة بلا سرف ولا تقصير.
وكان للمنصور تناقضاته التي تجعله بشرًا لا أسطورة: زاهدٌ في الطعام والملبس، لكنه قاسٍ في إزهاق الأرواح حين تقتضي السياسة. مؤمنٌ بالعلم وتقيٌّ يُحافظ على صلاته، لكنه لم يتردد في قتل ابن المقفع -الأديب والمفكر الفارسي-. هذا التوتر بين القيم الشخصية ومتطلبات الحكم؛ هو ما جعل دراسته ممتعة وصعبة في آنٍ واحد.
“وفاة المنصور”
في عام (158) للهجرة، كان المنصور يسير في طريقه إلى الحج حين أدركه المرض. مات على تراب الحجاز قبل أن يُتم نُسكه، ودُفن في مكة المكرمة. يُروى أنه أمر بحفر مئة قبر حوله تضليلًا لمن قد يُريد نبش رفاته. حتى في موته كان يُدبر ويحتاط!
خلَّف وراءه دولةً متماسكة على اتساع الأرض من خراسان إلى المغرب، وخزينةً مليئة أتاحت للدولة العباسية بعده عقودًا من الاستقرار. لكن أعظم ما خلّفه لم يكن ذهبًا ولا درهمًا؛ بل كانت بغداد، تلك المدينة التي ظلت لفترة طويلة عاصمةً للعالم المتحضر، يؤمها العلماء والتجار والشعراء من كل أفق.
وفي كتاب “نثر الدر” للآبي -أديب من القرن الرابع الهجري- وقف المنصور أمام توقيعٍ كان قد أمر بأرزاق لرجلٍ تأخر وصولها؛ فكتب الرجل بخطه مستشهدًا: “ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها.” ثم التفت المنصور إلى ابنه المهدي فقال: “يا بني، استدم النعمة بالشكر، والقدرة بالعفو، والطاعة بالتلف، والنصر بالتواضع، والرحمة من الله بالرحمة للناس.”، كان يوصي ابنه، أو ربما كان يصف ما أراد أن يكونه، والحكم بين ما قاله وما فعله.. تركه للتاريخ.