النية بوصلة القلب ووجهة الطريق

تُعرف النية اصطلاحًا بإنها قصدُ الإنسانِ بقلبه ما يُريد فعله ومحلها القلب. يتبعها الإخلاص، أي تمحيض العمل للّٰه عزَّ وجلَّ وحده بحيث لا يشوبه أيُّ قصدٍ آخر. قُصد بالنيةِ في كلامِ العرب قديمًا، القصدُ والإرادة. فكانوا يقولون: “نواك الله بخير، ونوى منويه” وهو المكان الذي ينويه.

“إنما الأعمال بالنيات”
عن أمير المؤمنين أبي حفصٍ عُمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: “إنما الأعمالُ بالنيات، وإنما لكلِ امرئٍ ما نَوى. فمن كانت هجرته إلى اللَّه ورسُولهِ؛ فهجرتُهُ إلى اللَّه ورسُولهِ، ومن كانت هجرتهُ لدنيا يُصيبها أو امرأةٍ ينكحُهَا؛ فهجرتُهُ إلى ما هاجر إليه”

يوضح الحديثُ كيف أن ذكر النية المحمودة بالهجرة إلى اللّٰه ورسوله قد يتغير إلى نيةٍ مذمومة، وهي الهجرة إلى مالٍ أو إلى امرأة. ثم يختتم رسول الله ﷺ الحديث بأن هجرة الرجل إلى ما هاجر إليه أي حيثُ أراد وحيثُ نوى، فلك ما نويت إن قصدت حسنًا فلك ذلك المقصود، وإن قصدت سيئًا كان لك كذلك.

“طرقاتٌ بلا نوايا”
إن الفيصل الدائم في الأعمال والخطوات هو ما يحمله القلب من نيةٍ، تحملنا الطرقات التي نجوبها كل يومٍ إلى وجهتنا، ولا نعرف ماذا نريد بتلك الطرقات؛ فتشغلنا الدنيا بكل ما فيها من أهواءٍ. نقرع أجراس كل بابٍ بلا هدف أو مقصد، والحل بين أيدينا. يرانا الله نضل طرقنا وننحرف عن وجهتنا، فيُحدثنا بآيةِ النية والسرائر: {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا (19)}

” من السلف.. قومٌ أخلصوا”
ننظر إلى الماضي، فنرى وقفات السلف مع الإخلاص والنوايا. هذا رجلٌ جاء إلى النبي ﷺ فآمن واتبعه، ثم قال: أُهاجر معك، فتعلم الدين؛ ثم جاءت غزوة بعد تعلمه قدرًا يسيرًا؛ لكن ذلك القدر كان كافيًا أن يقف عند قسمته من غنيمة الغزوة ويعود به إلى النبي ﷺ متسائلاً: ما هذا؟ فيرد ﷺ: “قسمته لك”. فيقول: “ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أُرمى ها هنا، وأشار إلى مكانٍ في الحلق مميت” خاف أن تتغير نيته، فكبرت الجنة في عينيه ليجيبه الرسول ﷺ: “إن تصدق الله يصدقك”. يقول راوي الحديث شداد بن الهاد -رضي الله عنه-: “فلبسوا قليلاً ثم نهضوا في قتال العدو، فأُتي به النبي ﷺ يُحمل”؛ فاستُشهد الصحابي بسهمٍ حيث أشار في موضع حلقه، فيسأل النبي ﷺ:
” أهو هو؟” قالوا: نعم.
قال:” صدق الله فصدقه”

“على خطى الصحابة”
صدق الله فصدقه.. هكذا كان الصحابة يحرصون على الإخلاص ويصدقون الله، يقوم الرجل في صف الصلاة فتسيل دموعه على خدهِ دون أن يشعر به من بجانبه، يبتغون وجه الله، فيُقبل حذيفة رأس هرقل ليخلي عن أسرى المسلمين، فيُثني عمر على فعله، فيقبل رأسه ويؤكد على أن صدق النية في إنقاذ المسلمين تجب كل شيء. وكذلك يَثبت بلال بن رباح -رضي الله عنه- والصخرة على صدره؛ لأن نيته راسخة.

“وجوه النية”
والنية نوعان: نيةٌ مفروضة، لا تصح العبادةُ إلا بها، كنية الوضوء، الصلاة، الزكاة، الصوم والحج.
ونيةٌ مستحبة، وهي استحضار النية في المباحات. يقول النبي ﷺ: “إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ”؛ ينبغي تجديد النية قبل كل عملٍ كما قال سيدنا معاذ -رضي الله عنه-: “أما أنا فأنام وأقوم فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي” فتتطلب النية قلبًا صادقًا ليجد صاحبه جزاءه، كما قال الله تعالى: {كُلًّا نُّمِدُّ هَـٰؤُلَاءِ وَهَـٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21)}

“أنت حيث نويت”
يرتبط صلاح العملِ رتباطًا وثيقًا بصلاح القلب؛ فيجب على المسلم أن يُعنى بصلاح قلبه، يستحضر النية ويحوِّل أعماله اليومية إلى عبادات. فينوي قبل النومِ النهوض للفجر. نجدد نوايانا ونذكر أنفسنا وقلوبنا باستمرار أن العمل لله.. خالصًا لوجهه تعالى. نستشعر أثر النية؛ فالنية الصادقة هي مفتاح البركة في الدنيا، وهي بذلك كنزٌ لأبواب الجنة.

Previous Article

التجارة في الإسلام

Next Article

محمد الفاتح.. من أحلام الطفولة إلى أسوار القسطنطينية

Write a Comment

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨