مرت البشرية بالعديد من العصور المختلفة، حاول الإنسان فيها إثبات وجوده؛ فحفر النقوش على جدران الكهوف ورسم على جدران المعابد، فقط من أجل “التوثيق” -حتى وإن اختلفت الطريقة-، إلى أن هداه عقله إلى ما يُسمَي بـ”الكتابة”، فبها حفظ العلوم، تداول المعرفة وتغلب على الزمن، فمتى بدأت الكتابة؟ وما هي أشكالها؟
“أول أشكال الكتابة”
ظهر أول أشكال الكتابة في “بلاد الرافدين”، عندما كانوا يكتبون على الألواح الطينية وهي ليِّنة باستخدام مسمار مُدبب، ثم تُجفَف الألواح في النار أو تحت أشعة الشمس، وعُرِفَت تلك الطريقة باسم “الكتابة المسمارية”، واُكتشِفَ أول لوح -بهذه الكتابة- نحو عام (3000) ق.م وظلَّت مستخدمة حتى بداية القرن الأول الميلادي، مع وجود (130) ألف لوح مسماري في المتحف البريطاني بهذه اللغة؛ لتحمل توثيقًا للحياة اليومية والعملية لتلك الشعوب في هذه الفترة.
“القدماء المصريون والكتابة”
ظهرت الكتابة الهيروغليفية في مصر القديمة بين (3200) و(3100) ق.م، وكانت تُستخدَم لنقش النصوص الدينية على جدران المعابد والمقابر، معتمدة على رموز تصويرية تُمثِّل كائنات ورموز من البيئة المصرية، ومع تطور المجتمع، ظهر خطَّان آخران أكثر سهولة، هما: “الهيراطيقية” منذ حوالي (2600) ق.م للاستخدام الديني والإداري، و”الديموطيقية” للاستخدام اليومي والتجاري، وظلَّت الهيروغليفية تُستخدَم بشكل رسمي في الطقوس والنقوش الضخمة حتى أواخر العهد الروماني.
“ظهور الأبجدية”
لم تظهر الأبجدية بشكلها الحالي دُفعة واحدة، بل مرت بعدة تحولات؛ فابتكرت حضارة “أوغاريت” -مملكة قديمة في سوريا- واحدة من أقدم الأبجديات المعروفة، وتكونت من (30) حرفًا، وعُرِفَت باسم: “الأبجدية الأوغاريتية” وكانت لغة الإدارة والتجارة والحياة المدنية، ثم ظهرت لاحقًا أبجدية “تيفيناغ” التي كانت تستخدم بين الأمازيغ في شمال أفريقيا، وتوالت التطورات حتى ظهرت الأبجدية بشكلها الحالي.
“الكتابة على ورق”
مع ابتكار الورق في الصين خلال القرن الثاني الميلادي على يد “تساي لون”، حدث تحول جوهري في طرق التدوين؛ فقد أتاح الورق: خفة الوزن، سهولة الحمل وتكلفة أقل مقارنة بالألواح الطينية أو ورق البردي. انتقلت صناعة الورق تدريجيًا إلى العالم الإسلامي عبر طرق التجارة، لتشهد بغداد ودمشق ثم الأندلس ازدهارًا واسعًا في إنتاجه؛ مما أسهم في انتشار العلم وتدوين الكتب والمخطوطات بكميات غير مسبوقة، زتوسيع رقعة التعلم وتسهيل تداول المعرفة، ليصبح الورق الوسيلة الأساسية للكتابة قرونًا طويلة قبل ظهور الطباعة الحديثة.
“الكتابة بشكلها الحالي”
ومع التطور التقني المتسارع، تراجعت أهمية الكتابة الورقية لدى بعض الأفراد؛ نتيجة اعتمادهم المتزايد على الهواتف الذكية، إلا أن هذا التحول يرتبط بعدة آثار سلبية، فقد أظهرت دراسة من قبل أستاذة علم النفس -بجامعة النرويج للعلوم-، طلبت فيها من مجموعة من الطلاب كتابة كلمات بقلم رقمي على جهاز بشاشة لمس، ومن ثم رصد نشاط الدماغ لديهم بتقنية تخطيط الدماغ الكهربائي (EEG)؛ أظهرت النتائج أن نشاط الدماغ كان أكثر شمولًا عند الكتابة اليدوية، في حين ظهر نشاط أقل عند استخدام الكتابة الإلكترونية. الأمر الذي يجعل استعادة الكتابة اليدوية في الممارسات اليومية خطوة مهمة؛ للحفاظ على فاعلية العمليات المعرفية البشرية.