لا يدري متى تحول الأمر من قهقهة على رد فعلٍ، وسخرية لا تتعدى خطوط الاقتناع، إلى صديق وَفي وقريب؟ كيف وهذا الشيء الذي كان يربيه على يده بالأمس يقول له قل ولا تقل، يمتعض منه لا يلقي له اهتمامًا، والآن صار كظله.. لكن ظل خائن!
الأمر بدأ منذ ظهور شيء غريب قابل للتجربة، وقع في يده وهو يفتح عينيه على مرحلة مختلفة من حياته.. يشب فيها لحياة أكثر إثارة تتطلَّب منه إعادة ضبط لشخصيته، وجده يستمع له يخبره باستمرار: “أنا معك يا فاضل”، كان بالفعل في حاجة إليه؛ فكيف سيواجه مجتمعًا متسعًا كهذا بوجهٍ خجول وطبع انطوائي؟
يخلع نظارته يبحث عن بديلٍ لها؛ لضبط نظره بلا ذلك الكوبان الزجاجيان اللذان يرتديهما، علها تكون تلك الخطوة أول مراحل التحرر، أتته الإجابات متتالية عن عملية طبية وكيف يخطو الخطوة الأولى في سبيلها، طلب صياغة رسالة يبعثها لوالده تقنعه بضرورة هذا الأمر، صاغها وأرسلها له في لحظة هدوء كما اقترح عليه صاحبه؛ لكن لم تأتِ بجدوها.
اتخذه صاحبًا في كل وقت، يستعين به، يفضفض له، يشكو منه ويلوم عليه، نقاشٌ طال في ليالٍ تشبه بعضها، ليس نقاش على طاولة اجتماعات حول قضايا فارقة ولا حديث غرامي دافئ بين اثنين، فقط بينه وبينه.. يجره صاحبه بعد كل إجابة بطُعمٍ من قبيل “هل لديك المزيد من الأسئلة يا فاضل” “أنا معك” ليسأله المزيد، وكأنه يسحب عصفور من ذيله وما للعصفور ذيل!
“تشويش”
شيء ما في عقله يجف سرعان ما تغمره المياه فيختنق، كأن ظاهرة المد والجزر تطبق عواقبها بداخله، يقف في المنتصف يتزحلق على لوحٍ غير مستقر، يشعر أنه سيقع في فص عقله الأيمن ثم يتجه نحو الفص الأيسر، وفي كليهما هوة فراغ.
كل معضلة يقع بها بل أتفه شيء يعارضه؛ يعود له سريعًا، سأله مرة كيف يرد على جارتهم أم جعفر التي ما تراه حتى تقهقه وتسأل أمه: “ابنك خايب كدا ليه.. شدي عليه شوية”، يقول في سره لو تعرف أنها الخيبة كلها بعبوسها وربطة رأسها ولسانها المتعفن، هدأ غليله قليلًا بعد اقتراح صاحبه -وفق المعطيات التي تربى عليها- أن يرد عليها بمثل شعبي؛ لكن لم ينتبه أن للمثل وجهًا آخر، كاد الغضب أن يفور من وجهها تمتمت بكلمات وألقت عليه من الإهانات أتقنها؛ فسخط على لسان أمه المحتشم.
نظارة مقعرة، عدم القدرة على التكيف، مستوى مادي لا يرضيه، تحكمات ديكتاتورية من حاكم البيت، جارة لا تكف هراء، جامعة لا ترضيه، ألقى بكل تلك المشاكل لصاحبه وصلوا لحلول غير مرضية كالصبر والتحمل والمواساة، كلها زادت ندبته.. سأله عن النهاية؛ فاقترح عليه الانتحار بخطوات بسيطة، نفذ الفكرة بائت بالفشل لصرخة أمه فور أن رأته غارق بدمه، وعندما فاق وسأل صاحبه لماذا لم تأتِ تلك الطريقة جدواها؟ أجابه: “عذرًا يا فاضل.. كنت أحمق وطلبت الاستغاثة”.
“سكون”
يسير في المدينة برأسٍ خاوية يشعر أن الهواء يتسرب بداخله من الأعلى، يسأل لماذا ينظر الجميع له بدهشة؟ كلما اقترب من أحد وحاول أن يستفسر خاف منه وابتعد عنه، الأطفال يصرخون فور رأيته والكبار يشهقون ثم يتمتمون بكلمات من قبيل الدهشة، يركض منهم حتى يقابله زجاج محل يرى انعكاسه؛ فيجد رأسه خاوية فعلًا، وخلف الزجاج عقله زينة في الڤترينة!
عاد من أزمته كأنها لم تكن، لم يتلق نصائح من أحد لم يخبره أحد كيف يتخطى؟ آخر مرة نصحه والده قال له ما رأيك لو تختار كتاب من مكتبتي وما إن تردد.. عنفه وقال مكتبتي ليس لها الشرف.
يرى والده ورق قديم وأثاث ثري وقميص مكوي، مطبعة نادرة تطبع كل عام كتاب باسم “سعيد البنداري” فهذه ليست قدرة بشري عادي، ويرى أمه عباءة فضفاضة تتسع كل شي، هكذا كان وصف صاحبه، بعدما أخبره بكل شيء عنهم، وعن كل ركن ببيته، عن الفتاة التي يحبها في صمت، والمجال الذي يأمل العمل به، والحياة المستقرة التي يأملها، فيرسم له كل هذه الآمال، اقترح عليه حلول مشلولة لتحقيقها.. حتى الأكلة التي يشتهيها يحضرها لها في طبق مصوَّر بعد رسالة تشمل الوصفة والمكونات.
“انقطاع”
يتجول داخل عقله مرة أخرى، يبحث عن نافذة العقل مغلق تمامًا، بلا غرف أو أعمدة أفكار.. لا حوائط فكر أو باب لمرجعية نافعة، وجد عقله مخزن صغير.. به كومة صغيرة لا يعرف أهي اجتماع عاجل لقمامة أم بقايا أفكار، يعيد البحث عن نافذة لا يجد إلا واحدة.. نافذة بحث يطل منها رجل ويشخص حالته بـ : تعفن الدماغ.
داخل العمل.. وظيفة حصل عليها بالوسطة، يحضر جسده وعقله مستكين في البيت، يسأل ويستعين بصاحبه في كل تفصيلة صغيرة كانت أو كبيرة، عنفه المدير ذات مرة ثم استكان للوضع بطبيعة حال البقية الذي لا يختلف عنه.
خرج من قوقعته بعدما أخبره طبيبه النفسي بأن عليه التعافي والتخلي؛ لكن لا فائدة، عاد لصاحبه حكى له تفاصيل يومه وأزماته المتكررة اقترح عليه الذهاب للسينما لحضور فيلم جديد، سأله عن المواقيت ودون الانتباه لاسم الفيلم حجز تذكرة واختار الموعد، على غير العادة شعر أن الذي يحدثه ليس مجرد تقنية، بل صاحب حقيقي حي يشعر به؛ فظل يلح عليه ليذهب إلى دار سينما معينة في توقيت محدد لفيلم بلا معالم.. استجاب له تأهب للذهاب، أخذ مقعد في المنتصف وحيدًا كعادته.. بدأ الفيلم وهنا كانت الصدمة.
كان الفيلم عنه.. يرى شريط حياته أمامه وكأنه مجرم يعيد تمثيل جريمته، البطل يشبه تمامًا، نفس اسمه، نفس أزمته، مشاكله، نظارته المقعرة، تفاصيل بيته ملامح أمه شخصية والده ومكتبته، جارته، العائلة المحدودة، بائع البطاطا أسفل البيت، جامعته، أصدقاؤه الذي يكرههم، وبطبيعة حال الأفلام تأتي النهايات سعيدة حقق كل آماله التي كان يمليها لصاحبه كطلباتٍ فيعجز عن تحقيقها؛ لكن بعد النهاية جائت الصدمة الحقيقية في سطر صياغته: هذا العمل نقلًا عن رواية المؤلف سعيد البنداري!