أرواح عالقة في المنتصف

كانت حياة أطفال غزَّة تأخذ مُنحناها الطبيعي المليء باللهو والمرح، إلى أن تحوَّلت الدفة -نتيجةً لما مروا به من أحداث- لاتجاه آخر مليء بالحزن والكدر، ولكن ما زاد جرحهم ألمًا هو أنهم أصبحوا أطفال عَجزة مبتورة أطرافهم؛ لتُصبح غزَّة بذلك وطنًا لأكبر عدد من الأطفال مبتوري الأطراف في التاريخ الحديث! -وفقًا لما قالته مُنظَّمة الأونروا-.

غالبيَّة الأطفال هناك لا يعون معنى أن تذهب أقدامهم أو أذرعهم بلا عودة، بالضبط مثل الطفلة “حنان الدقي” -صاحبة الثلاثة أعوام- التي تظل تسأل خالتها عن أين ذهبت ساقاها. حنان وأختها مسك تعرضتا لغارة جوية شُنَّت على منزلهما في دير البلح؛ أودت بساقيهما وكذلك والدتهما، في ذلك الوقت كانت مسك صاحبة الـ(18) شهرًا قد تعلمت المشي، وها هي الآن تُجاهد للوقوف على قدمها المتبقية.

حلم الطفل “محمد أبو عيدة” -القاطن في مُخيَّم جباليا شمال القطاع- يعتمد على كلتا يديه، وكل ما يتذكره محمد أنه كان -برفقة يديه- ينتظر في طابورٍ طويل أمام دورة المياه المتوفرة داخل مركز الإيواء بالمدرسة، ليسمع محمد بعد ذلك صوت انفجارٍ يعقبه رؤية لون أحمر يملأ المكان ويغطي ذراعه، نُقل الطفل إلى المستشفى حيثما تقرر بتر يده اليمنى؛ لأنها انفصلت من أعلى الكتف وقُطِعَت شرايينها وأوردتها الدمويَّة ولن يستطع الأطباء إجراء عملية تحفظ لها القدرة على الحركة؛ ليستيقظ محمد ويجد نفسه فاقد اليد والحلم!

لم يكن ما بُتِر من محمد ومسك وحنان وآلاف الأطفال غيرهم هو طرف فقط، وإنما بُتِر كذلك جزءٌ من أرواحهم؛ لتغدو بعد ذلك شاحبة. وهنا يأتي دور الأطراف الصناعيَّة؛ لتُقلل من وطأة الحزن على قلوب هؤلاء الأطفال وتكون عزاءً لذويهم، فتُشعر الطفل المصاب بقدرته على الاستقلاليَّة وتُمكنه عمل أشيائه بنفسه، كذلك لا يُصبح مظهره الخارجي مختلفًا عن أقرانه بشكلٍ يُسبب له الضيق.

من أجل ذلك تُوفر بعض المؤسسات أطرافًا صناعيَّة وبرامج تأهيل على هذه الأطراف مثل: برنامج التأهيل الأردني الذي يُوفر للمصابين تأهيلًا على أطراف صناعيَّة من تطوير شركتي: كوالا وأمبارو، والتي تتميز بسهولة تركيبها وتقنية تشكيل مباشر للأطراف السفليَّة؛ مما يُجنب المصاب شهورًا من الانتظار والتركيبات المتعددة، كما تُولي قطر اهتمامًا كبيرًا بمبتوري الأطراف في غزة، فقد أطلقت مستشفى “الشيخ حمد” القطريَّة -بغزة- أكبر ورشة في فلسطين والشرق الأوسط لتركيب الأطراف الصناعيَّة الإلكترونيَّة للأطفال والشباب، تمكنت المستشفى من تقديم خدماتها لنحو (14) ألف شخص من المرضى وذوي الإعاقة منذ إنشائها في (2019)؛ دعمًا منها وتخفيفًا لمعاناة الأطفال والشباب الفلسطينيين.

Previous Article

ابتهال أبوالسعود.. موظفة قلقة في مايكروسوفت

Next Article

لماذا لم تخرج فاطمة في جنازة عسكرية؟

Write a Comment

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨