أين أنت أيها المنتور العظيم!

“عزيزي سيد جيرمان، سمحت لشعوري الغامر أن يهدأ قبل أن أحدثك من صميم قلبي، فلقد نلت شرفًا عظيمًا جدًا، شرفًا لم أبتغيه ولم أطمح له؛ لكنني عندما علمت بخبر فوزي بالجائزة، أول ما خطر على ذهني، بعد والدتي، هو أنتَ، أريد أن أستغل هذه الفرصة الآن لأعبر عن مكانتك لدي سابقًا وحاليًا، وأؤكد لك أن جهودك، وعملك، وتفانيك ما يزال يعيش في أحد تلاميذك الصغار أعانقك بكل قلبي…ألبير كامو”.

كان هذا مقتطفًا من رسالة الكاتب والأديب الفرنسي الشهير “ألبير كامو” إلى معلمه جيرمان الذي اهتم به ووجهه في طفولته، وكان سببًا في أن يصبح ألبير كامو أحد أعظم الكتاب على الإطلاق، وكان كامو قد أرسلها إليه بعد حصوله على جائزة نوبل للأدب عام (1957).

أعرف عزيزي القارئ أنه قد لفت انتباهك أنتَ أيضًا أنه رغم فرحة كامو الغامرة كونه فائز بجائزة نوبل، إلا أنه تذكر أستاذه جيرمان، وأعرف كذلك أنك قد رأيت مدى الامتنان والاعتراف بالجميل من قبل كامو ومدى تقديره لأستاذه؛ ولكن دعني أطرح عليك سؤالًا لماذا يتذكر الأديب الفائز بنوبل شخصًا في هذا الوقت؟ ولماذا هذا الرجل “جيرمان” بالتحديد؟

للإجابة على هذا السؤال علينا معرفة ما الذي كان يمثله جيرمان لألبير كامو، يجيبنا كامو بنفسه ويوضح أنه يعتبر جيرمان مرشده في الحياة، وأنه الشخص الذي وضع كامو على الطريق الصحيح، وأنه دائمًا ما تتبادر نصائح جيرمان إلى ذهنه، ويحدثه ألبير كامو في خياله ويناقشه في الأمور العالقة في ذهنه، هذا هو السبب يا عزيزي. أجل كان جيرمان مرشده في الحياة أو كما يقولون في فرنسا (le mentor).

إذًا فالحلقة تدور حول ذلك المرشد الذي يبحث عنه كل مهتدٍ -ولا يكون قد اهتدى الا إذا وجده-، هي نفس الحلقة حول الملاك الحارس ونفسها حول شيخ الطريقة في الصوفية، ولا بد أن نتوقف عند جبريل -عليه السلام- لماذا ينزل إلى كل نبي ويقوم بالدور ذاته؟ كلها حلقات تدور حول شخص واحد دائمًا، من يكون ذلك المجهول شديد الأهمية؟ من يكون المرشد؟

المرشد هو شخص محب في المقام الأول وإلا لا يكون أبدًا؛ فالحب دائمًا ما يرسي أمانًا ومسئولية، يجعلك آمنَّا في البوح بما لديك ويُحمّله مسئولية توجيهك إلى حيث يجب أن تكون، لا بد أن تتوافق وجهتكما ونظرتكما للعالم ولو من زاوية واحدة يستطيع أن يرى من خلالها غايتك وهدفك النبيل، لا تكون الأحاديث بينكما كما بقية أحاديث الناس، ليست مجرد فضفضة فارغة تنتهي بمواساة أحد طرفيها للآخر، فلا بد دائمًا أن تنهي الكلام معه مكتسبًا الثقة والواقعية الذين يُمَكِّناك من المضي قدمًا، ولا تعيقك الروابط الاجتماعية في بحثك عن مرشدك، فكونه قريب أو صديق أو حتى غريب لا يهم؛ إنما من الضروري أن تستحقه وكذلك أن يستحقك.

ومع أهمية مرشدك بالنسبة لك فأنت أيضا مهم لإثباته لذاته وكونه جدير بحمل تلك المسئولية؛ فلا يوجد دليل أكثر وضوحًا على النجاح من كون خبرتك ومسيرتك في الحياة باتت كنزًا ينهل منه من يستحق أو تستحق رحلته الظفر بهذا الكنز، ولذلك يكون المرشد ممتنًا لمقابلتك أيها المهتدي، بنفس القدر الذي تحمله من الامتنان، فوجودكم معًا يختصر عليك الكثير من التجارب والخسائر والتأخير في طريقك الطويل إلى أن تصل إلى غايتك، وحينها تستطيع بما نهلت من خبرات وبما حملت من مسئولية أن تكمل تلك السُنة التي تعيش في فلكها فتصبح أنت المرشد وتمسك بيدي مهتدٍ جديد.

ألم أخبرك يا عزيزي أن الحلقة تدور حول شخص واحد فقط! في البداية تبحث عن ذلك الشخص المجهول شديد الأهمية، ثم ينتهي بك المطاف بأن تصبح مجهولًا شديد الأهمية لأحدهم، تنتظره ويبحث عنك؛ لتبدأ رحلة جديدة.

ويظل سؤالي الدائم والمؤرق أين أنتَ أيها المرشد العظيم!

أين أنتَ أيها المِنتُور العظيم!

Previous Article

القدس.. نحن.. من نحن؟

Next Article

ما وراء المرجعية

Write a Comment

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨