في إحدى صفحات مذكراتها التي خرجت للنور كتبت إيمان: “مش عاوزة الجزء الحلو اللي فيا يموت، مش هسمح للكلية أو للدكاترة أو أيا يكن مين يموِّت الجزء دا فيا أو يموتني.. أنا واثقة إن ربنا هياخد حقي منه لو ظلمني”. كانت تكتب لإخراج ما بداخلها من ألم، كانت تقوِّي نفسها بنفسها، كانت بريئةً وتكابل عليها الظلم من كافة النواحي.
“إيمان مصطفى دياب” كانت طالبة في كليَّة الطب جامعة المنوفيَّة الدفعة (40)، واحدة من الذين كرَّسوا عمرهم للسهر الطويل على الأوراق البيضاء وسط زغللة العين وألم الظهر؛ تُحاول جاهدةً أن تفهم: كيف يستطيع الإنسان أن يُنقذ إنسانًا آخر؟ لكنها لم تكن تعلم أن هناك من سيسلبها كل هذا وبأكثر الوسائل خباثة!
ذهبت إيمان لامتحان الـ(ENT) أو مقرر “الأنف والأذن والحنجرة” كأي يومٍ عادي، وعلى الرغم من احتواء الامتحان على أسئلة تعجيزيَّة تصل حد الاستحالة لم تتفاجئ! بل تفاجأت بغرفة التعذيب النفسي التي وجدت نفسها فيها -والتي تُعتبر امتدادًا لتجاوزاتٍ يُشار إليها من زملائها لكن لم يصدح صوتٌ بها حتى الآن-، وقف الأستاذ -واضع الامتحان والذي من المفترض أن يكون قدوة- وسط القاعة يسخر ويتلذذ ويقول: “عشان تعرفوا تسمعوا تسجيلات الدكتور فلان كويس”.
عادت إيمان إلى منزلها في ذلك اليوم مختلفة، لم تبكِ ولم تشتكِ لأمها -كما اعتادت بعد مواجهتها للامتحانات الصعبة- بل كانت صامتة. مرَّ يوم واثنان وثلاثة.. حتى دخلت عليها عائلتها ليجدوها غير قادرةٍ على تحريك نصف جسدها الأيمن، تُحاول أن تتكلم لكن أَبَى لسانها، أشارت إلى رأسها بصعوبة وقالت لأمها: “اللي فيا دا حاجة كبيرة”.
حتى في لحظات ضعفها كانت طبيبةً حقيقيَّةً وبارعة، فعند محاولة عائلتها أن تُعطيها حبة “أسبرين” لتخفيف الألم، أغلقت فمها بإحكام ورفضت أن تبتلعها؛ لأنها تعرف أنه لا يجب إعطاء الأسبرين لمريض نزيفٍ دماغي لأنه قد يقتله، كانت تعرف!
في المستشفى تحديدًا في تلك الغرفة الباردة التي تفوح منها رائحة البنج “العناية المركزة”، جلس والدها على سريرها الأبيض.. الأب الذي حمل همَّها منذ أن كانت طفلة، يُمسك يدها الباردة ويهمس لها بالدعاء، بينما الأم لم تتوقف عن تكرار: “حسبنا الله ونعم الوكيل” بقلبٍ محترق، وأخوها تذكَّر أيامها الأولى، ميلادها منذ (23) عامًا واجتماع الجميع وامتلاء الغرفة بالزغاريد، وكيف حَمَلها بعد اختيارهم اسم “إيمان”.. أكان يتوقع أنه كما حملها يومها سيحملها يوم الوفاة؟
حتى العاملون في المستشفى كانوا يدركون صعوبة موقف إيمان وأنها كانت تحتاج لمعجزة، فتقول إحداهن: “كنت بدعي ربنا إن لو حصلها حاجة يارب متكونش في يوم مروري يارب مش هقدر استحمل”. وعلى الرغم من وجودها في المستشفى لأزيد من شهر، لم تُفكر إدارة الكلية بذل بعض المجهود -المُلزمة به- للقيام برد فعل تجاه ما حدث لإيمان، لم تسأل حتى على صحتها! لم تَزُرها ولا حاولت تقديم أي دعمٍ مادي يُساند أباها العامل البسيط.
ذهبت إيمان وارتاحت من كل الامتحانات، حتى امتحانها الأخير ستجتازه بكل سهولة. في النهاية.. لم تمت بسبب المرض؛ بل ماتت لأن هناك من قرر أن يسحق روحها، ماتت لأنهم “استكتروها علينا”.. لأنها كانت جميلة!