كيف يصنعنا المعنى؟

“في اللحظات التي لا نستطيع فيها تغيير الواقع، يكون التحدي الحقيقي أن نُغير أنفسنا!”

عبارة تختصر كيف يُمكن للإنسان -وسط الجحيم- أن يُعيد اكتشاف ذاته. وكيف أن الألم لا يُلغي المعنى، بل ربما يُضيئه.

“الإنسان يبحث عن المعنى” ليست مجرد سيرة ذاتيَّة أو مذكرات لأحد الناجين من معسكرات الاعتقال النازيَّة، بل شهادة حيَّة على قدرة الروح البشريَّة على التشبث بالنور، حتى حين تنطفئ كل المصابيح!

يُقدم لنا فيكتور فرانكل -الطبيب النفسي النمساوي ومؤسس مدرسة “العلاج بالمعنى” (Logotherapy)- في هذا العمل الخالد رحلته داخل أسوأ ما عرفه التاريخ الحديث من ظلم ووحشية: معسكرات الموت! لكنه لا يحكي قصته بمرارة أو انتقام، بل بأدق ما يُمكن أن يُكتب عن الألم حين يصير مادةً لفهم الإنسان.

يأتي الكتاب في قالب السيرة الذاتيَّة، ذلك الفن الأدبي الذي يروي الكاتب من خلاله جانبًا من حياته؛ لكنه لا يقتصر على السرد، بل يتحول إلى مرصدٍ نفسي ووجودي. جاءت ترجمته العربيَّة على يد الدكتور/ طلعت منصور، مُحافظةً على روح النص الأصلي دون إخلال بالمعنى، وصدر عن دار القلم في نسخة تقع في (207) صفحة، تُتيح للقارئ أن يعيش التجربة بكل أبعادها الإنسانيَّة والفكريَّة.

ينقسم الكتاب إلى جزئين: جزء يمزج بين السيرة الذاتيَّة والرصد النفسي، حيث يصف فيه فرانكل تفاصيل الحياة اليوميَّة في المعتقل؛ لكنها ليست مجرد تفاصيل بل لحظات تختبر جوهر الإنسان: الجوع، الذل، القسوة، الفقد والعدم. ووسط هذا الركام.. تنمو جذوة صغيرة من الإيمان الداخلي، بأن الإنسان -وإن سُلب كل شيء- يظل حرًا في أن يختار كيف يستجيب. فبعض السجناء انهاروا والبعض الآخر تشبث بذكرى حبيب، أو بيت، أو حتى صلاة داخليَّة. وأما فرانكل فكان يسأل: لماذا لا ننهار جميعًا؟ وما الذي يجعل البعض يواصل؟ الإجابة كانت دائمًا: المعنى.

أما الجزء الثاني فيعرض فيه فرانكل أُسس نظريته في العلاج النفسي، التي تُخالف فرويد -الذي رأى أن الإنسان يسعى وراء اللذة-، وأدلر -الذي رأى أنه يسعى نحو القوة-، ليقول ببساطة شديدة وعميقة: “الإنسان يبحث عن المعنى”.

المعاناة -حسب رؤيته- ليست بالضرورة مأساة، بل يُمكن أن تتحول إلى سبب للارتقاء. الألم لا يُقصينا عن الحياة، بل يُعمِّق علاقتنا بها لو استطعنا أن نُدخله في سياق له معنى.

اللافت أن فرانكل لم يكتب كضحية، بل كعالِمٍ يدرس الظاهرة الإنسانيَّة من داخلها، بأسلوبٍ هادئ لكنه مشحون بقوة خفيَّة، وكأنه يُجري جلسة علاج جماعي للقراء. كما يطرح أسئلة وجوديَّة عميقة دون أن يذكرها علانيَّة: هل نمتلك خيارًا حين نفقد كل الخيارات؟ هل للمعاناة معنى؟ هل الإنسان حر حقًا؟ وماذا يعني أن نعيش بلا أمل، ثم نخلق هذا الأمل من داخل الرماد الشخصي؟

ورغم مأساويَّة التجربة.. لا تشعر وأنت تقرأ أنك في حضرة الموت، بل كأنك على وشك الولادة! ولعل أعظم ما في هذا الكتاب أنه لا يُقدم وعظًا مبتذلًا، فلا يقول لك: “كُن قويًا”، بل: “كن صادقًا مع ألمك.. وستجد فيه قوتك”.

– التقييم: (9/10).

Previous Article

ما قبل البداية وما بعد النهاية

Next Article

على الجسر.. حيث يبدأ المعنى

Write a Comment

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨