كانت التجارة قبل نزول الوحي أحد أهم مصادر دخل العرب وخاصةً قريش، وبعد نزول الوحي ودخول الإسلام ازدادت أهميتها؛ لتصل لصُلب الدعوة نفسها، فما هي أبرز المعلومات عن التجارة في الإسلام، وما هي أهم فوائدها؟
“قَوام ربح العرب”
كانت التجارة من أهم مصادر رزق العرب قبل الإسلام، فقد عوَّضتهم عن شُح أرضهم وقلة مواردها، وبرعوا فيها حتى صارت سمةً من سماتهم، مثل “عبد الرحمن بن عوف” -رضي الله عنه-، الذي هاجر من مكة إلى المدينة ولم يكن معه شئ من مال أو متاع، وقال لهم: “إنما أنا امرؤ تاجر، فدلوني على السوق”، فدلوه على السوق فباع واشترى وعمل بالتجارة حتى غلب اليهود فيها وجمع ثروة. وتجلَّى الأمر في رحلتَي الشتاء والصيف -اليمن جنوبًا والشام شمالًا- اللتين ذُكروا في القرآن الكريم: {إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}
[قريش: 2-4]
“والنساء أيضًا”
لم تكن التجارة حكرًا على الرجال في الإسلام، بل كانت المرأة شريكةً فيها منذ فجر الدعوة. فقد كانت “خديجة بنت خويلد” -أولى زوجات الرسول ﷺ- امرأةً تاجرةً ذات شرف ومال، تستأجر الرجال على مالها، وحين سمعت بأمانة النبي ﷺ ائتمنته على تجارتها في الشام؛ فضاعف لها الربح وأنفقته كله في خدمة الدعوة.
“نشر الدعوة”
لم تكن التجارة في الإسلام كسبًا للمال فحسب، بل كانت طريقًا للدعوة. فقد حمل التجار المسلمون مع بضاعتهم أخلاقهم وأمانتهم، فتمكَّنوا من معرفة عادات الشعوب ولغاتها، واستطاعوا النفاذ إلى قلوبهم بنشر العقيدة الصحيحة. ومن أبرز ما يدل على ذلك انتشار الإسلام في جنوب شرق آسيا دون جيش.
“مساندة الجانب العسكري”
لم يقف دور التجار المسلمين عند حدود السوق، بل امتد ليشمل ميدان الجهاد. وخير شاهد على ذلك غزوة تبوك، حين نادى النبي ﷺ: “من جهز جيش العسرة فله الجنة”؛ فتسابق الصحابة في البذل، فجاء أبو بكر بأربعة آلاف درهم -كل ما يملك-، وجاء عمر بنصف ماله، وجاء عثمان بن عفان بثلاثمئة بعير وبألف دينار. وكان كثير من هؤلاء المنفقين تجارًا أثرياء، جعلوا من ثرواتهم درعًا للدولة الإسلامية في أشد ساعاتها عسرًا.
“الزكاة”
لم يجعل الإسلام التجارة كنزًا يتراكم في يد صاحبه، بل فرض عليها الزكاة ضمانًا لتوزيع الثروة؛ فكل تاجر بلغت بضاعته نصاب الذهب أو الفضة، ومرَّ عليها حول كامل، وُجِب عليه إخراج ربع العشر -أي (2.5%)- من قيمتها السوقية. وهذا الفرض ليس عبئًا بل حكمة؛ إذ تعمل الزكاة -وفقًا لآراء المختصين- على تحريك رؤوس الأموال وتشجيع أصحابها على الاستثمار، مما يرفع الإنتاج ويحدَّ من الركود الاقتصادي.
“يضربون في الأرض”
أولت النصوص الشرعية التجارةَ مكانةً رفيعة؛ فقد قرن الله الضاربين في الأرض للتجارة بالمجاهدين في سبيله في قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقال النبي ﷺ: “التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء.” وقد بيَّن الطيبي معنى هذا الحديث بقوله: “فمن تحرى الصدق والأمانة في تجارته كان في زمرة الأبرار من النبيين والصديقين”.
وهكذا يتجلى أن التجارة في الإسلام لم تكن يومًا مجرد سعي وراء الرزق، بل كانت رسالةً تحملها القوافل قبل أن تحملها السيوف، فمن أتقن تجارته بالصدق، أتقن دينه من حيث لا يدري.