ظَهر المدح في الشعر العربي كغرض أساسي يسعى من خلاله الشعراء لتحقيق مآربهم، حتى جاء النبي -ﷺ-؛ فتحول المدح إلى غاية في ذاته، خالصًا لشخصه الكريم، يتسم بالصدق والإخلاص، نابعًا من محبته، فعُرفت القصائد التي نُظمت في مدحه بـ”المديح النبوي”، وأصبحت جزءًا مِن التراث الإسلامي والعربي.
“ما هو المديح النبوي؟”
المديح النبوي نوعٌ مِن الشعر الذي تغلب عليه العاطفة الصادقة، ويقوم على عرض الصفات الخُلقيَّة والخَلقيَّة للنبي -ﷺ-، وإظهار الشوق لرؤيته، وذِكر معجزاته، والإشادة بسيرته وجهاده، مع الصلاة عليه تعظيمًا وتقديرًا. يُعرفه زكي مبارك بأنه: “فنٌ من فنون الشعر التي أذاعها التصوف، وهو لون من التعبير عن العواطف الدينيَّة، وبابٌ من الأدب الرفيع؛ لأنه لا يصدر إلا عن قلوب مفعمة بالصدق والإخلاص”.
“بداية المديح النبوي”
ظهرت النواة الأولى للمديح النبوي مع مولد النبي -ﷺ-، حينما شبه جده عبد المطلب مولده بالنور والضياء، كما مدحه عمه أبو طالب في صغره قائلًا: “فأبيضُ يُستسقى الغمامُ بوجهه.. ثِمَالُ اليتامى عِصْمةٌ للأرامل”.
ومع انطلاق الدعوة الإسلامية، ازداد المديح وارتبط بشعر الفتوحات، إذ تناول الشعراء أخلاق النبي -ﷺ- ودعوته وجهاده، ثم تطور لاحقًا ليتخذ ثلاثة اتجاهات رئيسية: (اتجاه شعري محض – اتجاه شعري ممزوج بالتصوف والمعارف الدينية والفلسفية – واتجاه شعري ممزوج بالقضايا الاجتماعية والسياسية في الشعر المعاصر).
“قصيدة البُردة.. درة تاج شعر المديح”
من أشهر قصائد المديح النبوي قصيدة البردة لكعب بن زهير -الذي كان من أوائل الشعراء الذين مدحوا النبي-. سُميت قصيدته بالبردة لأن كعب قبل إسلامه كان من أشد معارضي النبي -ﷺ- والمسلمين، ففرّ هاربًا خشية العقاب، وبعد فتح مكة، أتى إلى الرسول -ﷺ- معتذرًا، ومدحه طلبًا للعفو، وحين أنشد قوله:
“إنَّ الرسـولَ لَنـورٌ يُستَضـاءُ بِـهِ.. مُهَنَّـدٌ مِن سُيـوفِ اللهِ مَسلـول”
عفا عنه النبي -ﷺ- وأهداه بردته، ليصبح اسم بردة كعب رمزًا لقصائد المديح النبوي عبر الزمن. ولاحقًا، نُظمت قصائد أخرى تحمل الاسم ذاته، أشهرها “بردة البوصيري”.
“المديح النبوي بين الازدهار والخفوت”
اتخذ المديح النبوي منحنى آخر في العصر الأموي، وامتزج بالتيارات السياسية، فاتخذ مداحو الأمويين مدائحهم وسيلة لتعزيز المذاهب وانتصارها، وأصبح مدح الرسول -ﷺ- يُعبَّر عنه من خلال مدح آل البيت وذكر نسبه الشريف. ومع بداية العصر العباسي بدأ خفوت المديح النبوي، لكنه ازدهر مجددًا في عصر الدويلات وعصر البوصيري، خاصة مع الأحداث والمتغيرات القاسية التي شهدها العصر، فتشوق الشعراء للعودة للعقيدة الإسلاميَّة الصافية. فتلألأت قصائدهم بسيرة الرسول -ﷺ- من مولده إلى وفاته.
“حبٌ صادقٌ.. ومديحٌ باقٍ”
على مر العصور، تطورت الأساليب الشعرية لكن بقي المديح النبوي حاضرًا، بدءًا من شعراء النبي -ﷺ- كحسان بن ثابت وكعب بن زهير وعبدالله بن رواحة، مرورًا بالبوصيري والبارودي وأحمد شوقي، وصولًا إلى شعراء العصر الحديث، إذ اختلفت أساليبهم، لكن وحَّدهم حب النبي -ﷺ- ومدحه.