بين الأرصفة والحارات وعلى نواصي مقاهي القاهرة.. حيث تختلط الهموم بالأحلام، لطالما تردد شِعرهُ على لسانِ الباعة والشبان والأطفال؛ فعَرفوه ووجدوا فيه صوتهم، صوتٌ خرج من حي “الظاهر” بالقاهرة يحملُ بين كلماتهِ ثورةً ووعيًا. إنه شاعر العاميَّة، ووالدُ الشعراء “فؤاد حداد”.
“أنا والد الشِّعر فؤاد حداد
أيوة أنا الوالد وياما ولاد
أبالسة ربيِّتهم بكل وداد
بَعدِسه تلميذ أولِي وإعداد، تسالي”
“مولد صوت”
منذ طفولته أراد أن يُصبح شاعرًا؛ فتعرَّف على الثقافة العربيَّة والشعر العربي، تأثَّر بالتراث الشعبي وكانت أولى كتاباته بالفصحى، فشقَّ طريق الشعر مؤمنًا به كخطوة للإصلاح، فكتب عن: الإنسانيَّة، القضيَّة، الأمل، اليأس، الأماكن والأشخاص. لم يكن مجرد شاعر، بل أبٌ روحي لكل شعراء العاميَّة.
“خلف قضبان القصيدة”
بدأ نشاطه الأدبي عام (1944)، وكان هذا تزامُنًا مع نشاطه السياسي، فنشر قصائده في الدوريات الأدبيَّة والجرائد الحزبيَّة. أثبت أن القضبان تسجن الأجساد؛ لكن العقول والأقلام للأبد أحرار! ففي المعتقل كتب حداد ديوانه الأول “أحرارٌ وراء القُضبان” والذي صدر عام (1952)، حرص فيه أن ينشر الوعي بموقفٍ وطني وسياسي واضح.
“نضوج حرف”
“فيه سجن مبنِي من حجر.. وسجن مبنِي من قلوب السجانين
قضبان بتمنع عنك النور والشجر.. زي العبيد مترصصين”
في عام (1953) قُبضَ عليه وسُجِن لمدة عامين، وهناك لمع نجمه وكتب عدة قصائد، منها قصيدة “الشهيد الإيراني” -وهي قصيدة مؤثرة عن الأم-، وقصيدة “الليلة يا سمرا” وأهداها لصديقه النوبي، والتي غناها محمد منير فيما بعد. ثم أُفرج عنه لمُدة شهرين فقط؛ ليُصدر وقتها ديوانه الثاني “هنبني السد”، وفيه يحتفي بحركات التحرر الوطني؛ ليُعتقل بعدها للمرة الثانية في أبريل (1959)، ويظل خلف القضبان لخمس سنوات. لم يتوقف قلمه خلالها عن نسج خيوط وقوافي الشعر، حتى قرَّر حينها أنه سيكتب قصيدةً كُل يوم؛ لبث الأمل في قلوب المُعتقلين، فرغم كثرة اعتقاله كان مواله وهمه الوطن.
“من وإلى الإنسان”
“تعرف الإنسان من الطلة.. حط قلبي شهود على الطبلة
تعرف الإنسان من الشوفة.. لا ترى مهواه ولا خوفه”
لم يكن يكتسب من الشعر بل من الترجمة، فترجم عدة كتب، منها: عيون إلزا، لا مذكرات، أوبرا القمر وغيرها الكثير. أما شِعره فكان مُعدِيًا ومُعلِمًا؛ فنشر به الوعي وثقف الناس، وأعاد تفسير القصص الدينيَّة والتاريخيَّة برؤية شعبيَّة. كانوا يصفونه دائمًا بأن الشعر يخرجُ من أكمامه.. كان مبسوط اليدين، وشِعره! قال عنه الأبنودي في كتاباته: “فؤاد مقالش في يوم.. المُر مالُه مُر؟ متبوع.. وله تابعين.. عمره ما كان تباع”.
“والإنسانية هنا”
وَصَف الدُنيا على لسان الحيوان في “الرقصات”، وأمتع وثقف جيلًا كاملًا ببرنامج” المسحراتي” المليء بسحر كلماته وصوت سيد مكاوي. رسَّخ الوعي بالقضيَّة والوطن، فكتب ديواني “الأرض بتتكلم عربي” و” الحمل الفلسطيني”. انشغل كثيرًا بمدح الرسول -ﷺ- في الكثير من قصائده، وسامَح جمال عبد الناصر فرثاه. وعندما حلَّت النكسة نفض غبار الهزيمة وغنى لمصر، وسرعان ما بث الأمل في كلماته:
“قالوا الليالي الطويلة إمتى آخرتها
قولت الزمن والفلاح هيحرتها”.
“نهاية القصيدة”
“وها هو يمضي عائدًا إلى العالم الآخر، وهو عالمٌ أحسبُ أنه سيجد فيه التقدير الذي لم يجده في الأرض.. رحم الله فؤاد حداد”. هكذا ختم أحمد بهجت رثاءه لفؤاد حداد في بابه بجريدة الأهرام، ساردًا قصته بعدما توفى إثر أزمة قلبيَّة في أول نوفمبر عام (1985). وكانت آخر أبيات فؤاد حداد -والتي تركها على مكتبه ليلة وفاته- وداعٌ أخير للعالم ولشِعره، قال فيها: “مات اللي كان حالف يموت ولا يقطع دابر.. أمل المساكين في الأكابر”؛ ليترُك وراءه أثرًا من الوعي، الأمل والحياة.