الخير الباقي أثره

هناك من لا ترأف الحياة بهم، تأخذ منهم ما تأخذه وتتركهم يُدافعون عن مبادئهم ويسردون الحق وحدهم في حياة خالية من خُلَّة وطيدة، ولهذا كان يستعين دكتور “زكي مبارك” بقلمه الباكي يسجِّل قلبه في أبيات الشعر ويكتب المواضيع ويشقى حتى نال منه الشقاء.

في (5) أغسطس (1892) أنذرت شمس قرية سنتريس -بمحافظة المنوفيَّة- بقدوم أحد أعلامها الممتد، فيقضي زكي مبارك طفولته المجيدة فلاحًا محبًا للفن، يُعمِّر بالفأس أرض موطنه -في غيط أبيه-، ويُنهي يومه يطرب أذنه بين المداحين والمواويل، ومن هنا ظهرت النبتة الأولى في حبه للشعر، فحصدها بحفظه ما يزيد عن ثلاثين ألف بيتًا للشعر! تردد على الكُتَّاب فأتم حفظ القرآن الكريم، ولُقِّبَ بشاعر الأزهر عندما سُجّل فيها عام (1908).

يضفىٰ على مبارك طبع الاجتهاد حتى أصبح “الدكاترة زكي مبارك” -مستندًا هذا اللقب للشاعر الجليل محمد الأسمر- بعدما أنهى ليسانس الآداب في الجامعة المصريَّة -القاهرة حاليًا- ونال أول درجتي دكتوراه فيها، ثم تلقى العلم في فرنسا -جامعة السوربون- حتى ظفر بدرجة الدكتوراه الثالثة من الجامعة.

دَرَّس في الجامعة المصريَّة وكان خروجه منها أول معركة نالت منه، عندما طُرِدَ دون الموافقة على تجديد العقد بلا وظيفة أو مرتب بواسطة أحد كبار الأدباء حينها، ففرَّ عاملًا في وزارة المعارف، منتقلًا بين الصحف والموضوعات فكتب نحو ألف مقالة في كثير من الجرائد، وفي رُكن قلبه ظل يسكب كلماته معبرة عن نصيبه الوافر من الظلم، فكتب:

“إن راتبي في وزارة المعارف ضئيل، وأنا أكمله بالمكافأة التي آخذها من “البلاغ” أجرًا على مقالات لا يكتب مثلها كاتب ولو غمس يديه في الحبر الأسود. إن بني آدم خائنون تؤلف خمسة وأربعين كتابًا منها اثنان بالفرنسيَّة، وتنشر ألف مقالة في البلاغ وتصير دكاترة ومع هذا تبقى مفتشًا بوزارة المعارف!”

ثم أُزجى به في السجن بعدما طالت قصائده ثورة (1919).

ظل ينتقل في رحاب البلاد، استقبلته فرنسا نحو خمس سنوات يتلقى بعض تعلُّمه في “جامعة السوربون” أتقن فيها اللغة الفرنسيَّة، تجوَّل دروبها صانعًا الذكريات، مكتشفًا بعض أسرارها من فنون وآداب، منها ما في مدينة النور من صراع بين الهُدى والضلال، فصبَّ كل ذلك في عمل من أعماله “ذكريات في باريس”، وتميَّز في النقد الفرنسي بعدما تعمق في آدابه، وإلى جانب تأثر نقده بالخوارزمي وابن عميد؛ أنتج كتابه “ناقدًا للنثر” عَرَضَ فيه تحليلًا لكتابات أدباء مثل: طه حسين والعقاد، فكان هذا سببًا رائدًا لبعض معاركه الأدبية.

مرَّ بفلسطين وبيروت ودمشق حتى رُشِّح للعمل في بغداد في “دار المعلمين العالية” لتدريس اللغة العربيَّة، فقضى تسعة أشهر في “مدينة الرشيد” مُلهَمًا لكتابة ألوف الصفحات اجتمعت في كتاب “وحي بغداد”؛ متمنيًا أن يكون وحيًا لمؤلفي الأنحاء الشرقيَّة للكتابة عن فضل العرب والمسلمين بمختلف الوصف.

احتفى به أهالي العراق بجائزة “وسام الرافدين”، وأخذ التقدير الذي حُرِم منه بينهم، حتى أقاموا حفلًا مجيدًا تحت رعاية أدبائها وكبار رجالها، شارك في عرضه الكثير من شعرائها، ولعل ما ذُكِرَ بعض من أبيات “عبد الرحمن البناء”:

“يا ابن العروبةِ فذها ونصيرها

أرضيْتَ في إنتاجكَ الأجدادا

ووجدت منا في وجودِك بيْننا

حبًا زكيًا خالصًا ووِدادًا

نرجو بهِ حُسنَ الوفاقِ، وهكذا

يرجو الذي زرعَ الجميلَ حصادا”

خاطب المستقبل بواسطة أعماله الأدبية، فخاطبهم في العشق في كتبه “العشاق الثلاثة” و”مدامع العشق”، وآثر في نفسهم حب الاستقلاليَّة والتمسك بالعادات واللغة في كتاب “اللغة والدين والتقاليد في حياة الاستقلال”، ولم ينسَ أن يُحدثهم عن التاريخ الأعظم في كتبه “المدائح النبوية في الأدب العربي” و”حب ابن أبي ربيعة وشعره”.

وظل مبارك في إكمال حياته منتقلًا بين معاركها وصفحاتها وبلادها يُصدر أعماله، حتى سقط مغشيًا عليه أثناء تجوله الأخير في شارع “عماد الدين”، فنُقِلَ إلى المستشفى متبينًا إصابته بارتجاج في المخ، وظل على حالته حتى صدر خبر وفاته في اليوم التالي (23) يناير (1952)، تاركًا إرثًا كبيرًا من أملاكه.. فعندما عُرِضَ عليه إعادة تدوير بيته لمدرسة يُنتَفع بها لم يتردد في الموافقة، وظلت المدرسة علامة رائدة باسمه، تحمل في خباياها حكاية أسطوريَّة، احتوت آلاف الأجيال من قريته -سنتريس- والقرى المجاورة ، وما زالت المدرسة قائمة والحكاية ممتدة، تترك بصمتها في نفس كل طفل وأب وجد ومعلم مَرَّ عليها.

Previous Article

من ليتل للشباز وقصة النضال

Next Article

مِن رملة الأنجب إلى رحابة الشعر

Write a Comment

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨