سفيرنا إلى الوعي الإنساني إدوارد سعيد

في مجتمع بُنيَ على الحريات دون حرية نقد الكيان، وبشَعرٍ فاحمٍ تُخلَّلَهُ شُعيراتٌ بيضاء، كان “إدوارد سعيد” ليس فقط مفكرًا وأديبًا، بل صوتًا جريئًا ناقدًا يسهم بشكل مباشر في ردم الهوة بين الشرق والغرب. “لم ينجب التاريخ الثقافي الفلسطيني عبقرية تضاهي إدوارد المتعدد المتفرد”، كما وصفه الشاعر محمود درويش.

“إدوارد سعيد.. المثقف الناقد”
ساهمت كتابات “إدوارد” في ولادة مجالات جديدة للدراسة، وكان لها تأثيرًا كبيرًا في الأوساط الأكاديمية والثقافية في الولايات المتحدة والعالَم، حيث صُدِر له نحو ثلاثين كتابًا تُرجِم أغلبها إلى أكثر من خمس وثلاثين لغة، وكان “إدوارد” -كباحث ومثقف عام-، يرى أنه ينبغي للمثقف في المجتمع الحديث أن يُجاهر بـ”الحقيقة”، وأن يتمسك بالعدالة، وألا ينساق وراء الموضة الرائجة والنزعات العابرة، بل أن يُعبر عن الأفكار والقيم الحقيقية، وبجانب تعريفه للمثقف وتوعيته، كان “إدوارد” من المفكرين المعاصرين القلائل مع “رايموند ويليامز” و”ميشال فوكو” -الذين طرحوا علامات استفهام نقدية حول الأفكار الجديدة السائدة في الغرب، وسألوا عن آثارها على المجتمع والثقافة-.

“بداية الطريق”
قبل أن يولد “إدوارد” ويحمل هذا الاسم الإنجليزي الذي يتناقض أتم التناقض -كما يقول هو- مع كنيته العربية المرحة “سعيد”، فر والده “وديع” من مدينته القدس خوفًا من قيام السلطنة العثمانية بتجنيده؛ ليجد نفسه متطوعًا في الجيش الأمريكي في فترة الحرب العالمية الأولى، وعاد من الحرب حاملًا الجنسية الأميركية، وغيَّر اسمه العربي “وديع” إلى “وليام” كي يتماهى أكثر مع “هويته” الجديدة. حتى أبصر “إدوارد سعيد” النور في الأول من نوفمبر عام (1935) في حي الطالبية بالقدس، لأب يريد أن ينفض عن جلده وجلد ابنه كل مظاهر وطنه بدايةً من اللغة حتى الاسم.

“هوية معلَّقة”
ترعرع وكبر إدوارد في القاهرة في حي الزمالك منذ عام (1937)، وكانت عائلته تعيش -كما يصف في كتابه “تأملات حول المنفى”- في قاهرة داخل قاهرة داخل قاهرة، الأولى هي وسطه العائلي المنغلق على نفسه، والثانية قاهرة الأثرياء والأقليات الأجنبية، والثالثة قاهرة المصريين، ورغم أن والده لا يكف عن تذكير ابنه بأنه “أميركي”؛ فإن أكثر لحظات الفتى “إدوارد” حرية كانت تقع خارج قيد الأسرة والطبقة الاجتماعية وقاهرة الخواجات عمومًا، كأن في ذلك “الاحتكاك” علاقة بأصل الأشياء وطبيعتها التي انحرفت إلى نقيضها. فأي “أمريكية” هذه التي يفرضها جواز سفر؟ وأي انتماء يُحرِّم استخدام اللغة العربية في البيت الفلسـطيني، وفي مدينة عربية عريقة كالقاهرة؟

“من الطالب المشاغب إلى أستاذ جامعي”
“كنت ولدًا شقيًا وكنت أُعذب المعلمين في المدرسة، ولهذا طُردت وهذا سبب مجيئي إلى الولايات المتحدة عام (1951)”. هكذا افتتح الفيلم الوثائقي الجديد الذي أطلقته مؤسسة “ثمانية للنشر” عبر قناتها على يوتيوب، تقول ابنته إن والدها استطاع التحدث باللهجة المصرية، وكان يضحك بشدة لدرجة البكاء حين يتحدث بها مع بائعٍ مصري، وبعد أن هاجر إلى الولايات المتحدة، بزغ أدبه فنال إجازة من جامعة برنستون في سنة (1957)، ثم حاز شهادتي الماجستير (1960) والدكتوراه في الأدب الإنكليزي (1964) من جامعة هارفارد. وقبل عام من إنجازه للدكتوراه، التحق بكلية الأدب الإنجليزي والمقارَن في جامعة كولومبيا في نيويورك، حيث بدأ مسيرته المهنية كأستاذ جامعي؛ لتغدو هذه الجامعة بمثابة منزله الأكاديمي خلال ما تبقى من مسيرته.

“بداية النضال”
اقتلعت حرب (1967) دائرة تركيزه على الأدب، فجدد روابطه مع أفراد العائلة والأصدقاء الذين انضموا إلى “الحركة الوطنية الفلسطينية”. وفي سنة (1969) كتب مقالة “صورة العربي” في عدد خاص لمجلة (The Arab World) التي كان يصدرها مركز الإعلام التابع لجامعة الدول العربية في نيويورك. وقد وصف “إدوارد” في المقالة كيف أن تصوير العربي كمتعطش للدماء ومتخلف وتصوير الكيان كبطل ورائد مترابطان. ويوضح أن من أجل هذا الهدف، كان لا بد أن يتم تجاهل المأساة برمتها، بما فيها تجاهل: “انتزاع الحيوات والأملاك الفلسطينية، تجريف القرى العربية من الوجود وتصفية المقاومة العربية بأي شكل كانت، بلا رحمة”.

“نبذ المفاهيم الغربية للشرق”
في كتابه “الاستشراق.. المفاهيم الغربية للشرق” الكتاب الأول من سلسلةِ كتبٍ تناوَل فيها “إدوارد” العلاقةَ بين العالمَين الغربي والعربي، وتحدث عن الاستشراق الذي احتل مركز السيادة، وقام بفرض قيوده على الفكر الشرقي وحتى على من يكتبون عن الشرق، وتكمن أهمية هذا الكتاب في أن “إدوارد” خاطَب به الغربَ بآليَّاته ومناهجه، وسعى إلى تَعرية الخطاب الاستشراقي؛ فوجَّه نقدَه إلى المستشرقين الذين تحدَّثوا عن الشرق من خلال قراءاتهم للكتب ومشاهَدة الأخبار فقط، وليس من واقع خبراتهم وتجاربهم المباشِرة مع الشرق.

“توعية المثقف”
وفي كتابه “المثقف والسلطة” يتناول “إدوارد سعيد” عن ماهية المثقف، دوره وما السمات التي يجب توافرها فيه؟ وقدَّم رؤيته لصور المُثقف والتحديات التي تُواجِه جماعةَ المُثقفين في المجتمعات، مُستحضِرًا الكثيرَ من التجارب والنظريات والأعمال التي تناوَلت المُثقفين، مثل تعريف المُثقف عند: جرامشي، بندا، وفوكو. مع التطرُّق إلى المُثقف المَنفي وحالة الاغتراب المُلازِمة له، مع ذِكر نماذج لذلك. وأحد اقتباساته: “هُم أقرب إلى السخرية من ذواتهم منهم إلى استخدام الألفاظ والنبرات الرنَّانة، وهم أقرب إلى التعبير المباشر منهم إلى التردُّد والتلعثم في الكلام، ولكن لا مفرَّ من مواجهة الحقيقة المحتومة وهي أنَّ أمثال هذه “الاحتجاجات” من جانب المُثقفين أو المُفكرين لن تأتي لهم بأصدقاء في أعلى المناصب، ولن تُتيح لهم أن يحظَوا بآيات التكريم الرسمي، والمُثقف أو المُفكر يجد نفسه إذن في عزلة؛ لكن هذه العزلة خير من الصحبة التي تعني قبول الأوضاع الراهنة على ما هي عليه”.

“هوية إدوارد سعيد في مرآة درويش”
يقول إدوارد سعيد: “أنا فلسـطيني ولكني طُردت منها منذ الطفولة، وأقمت في مصر دون أن أصبح مصريًا، وأنا عربي ولكني لست مسلمًا، وأنا مسيحي ولكن بروتستانثي، واسمي الأول إدوارد رغم أن كنيتي “سعيد!”. عندها كتب درويش ليصيغ ما قال ادوارد سعيد في قصيدته “طباق إلى إدوارد سعيد”، وقال: “أنا من هناك.. أنا من هنا.. ولستُ هناك، ولستُ هنا.. لِيَ اسمان يلتقيان ويفترقان.. ولي لُغَتان، نسيتُ بأيِّهما كنتَ أحلَمُ”.

“نهاية حقبة”
وهكذا، فإن المسيرة التي بدأت بمحاولة نزع أب جلد ابنه، واستبدال اسمه بلغة وهويةٍ أخرى، انتهت بمثقفٍ حصد جوائز عديدة خلال مسيرته الفكرية: جائزة لانان (Lannan) الأدبية، وجائزة ويليك من الجمعية الأميركية للأدب المقارن، والعديد من شهادات الدكتوراه الفخرية، فقط لأنه حوّل شقوق هويته إلى موقع نقدي يرى منه العالم بحدةٍ أخلاقية نادرة. رفض كل أشكال الاستبدال القسري، وواجه عقلية الغرب المتعالية حين ادعى امتلاك الحقيقة. هكذا ظل إدوارد سعيد، حتى النهاية، شاهدًا على أن الاسم قد يُفرض، والمنفى قد يُطيل مقامه، لكن الوعي -حين يكتمل- لا يُستبدل أبدًا.

Previous Article

صلاة بدون يقين

Next Article

صوت أربك الرواية.. غسان كنفاني

Write a Comment

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨