أحمد شوقي -الذي نعرفه مبدعًا وأميرًا للشعراء- وُلِدَ بحي الحنفي بالقاهرة القديمة، وحصل على إجازة الحقوق في فرنسا. ثقافته كانت مُبهرة! فكان يُحب الاطلاع في العديد من المجالات: كالشعر العربي، فكتب ما يزيد على (23) ألف وخمسمائة بيت.. عدة قصائد بمواضيع مختلفة، واهتم بالشعر الديني فكتب ملحمته الطويلة “دول العرب وعظماء الإسلام” التي بلغت (1726) بيتًا، ونظمها في منفاه بالأندلس. استمر في كتابة قصائد في حب الإسلام وتقدير الرسول، حتى استهواه الأمر وكتب في المديح النبوي قصائد عدة منها: قصيدة “ذكرى المولد”، “الهَمْزية النبويَّة” و”نهج البردة”، فيأخذنا شوقي في رحلة عن لوعة العشق وزهد الدنيا، ونفحات إيمانيَّة عن عدل الله وهدى النبي -ﷺ-.
“أحبك يا رسولي”
بعد أن استهواه مدح نبيِّه -وما أعظمه من مدح!-، كتب قصيدة “سلوا قلبي” أو “ذكرى المولد” التي يتغنى بها بأشرف الخلق النبي محمد -ﷺ-، انتشرت القصيدة حتى غنتها أم كلثوم عام (1946)، ومن أبياتها: “سَلوا قَلبي غَــــــداةَ سَـلا وَثابـا.. لَعَلَّ عَلـى الجَمــالِ لَـــهُ عِتابــا
وَيُسأَلُ في الحَوادِثِ ذو صَـوابٍ.. فَهَـل تَرَكَ الجَمـــالُ لَهُ صَوابــا”. فيصف شوقي في هذين البيتين كيف أن الحب يؤثر على أعقل العقلاء، فلا يستطيعون التفكير بحكمة بسبب لفحتهم من لوعة الشوق للنبي -ﷺ-.
“ما جِئتُ بابَكَ مادِحًا بَل داعِيًا”
وكتب أيضًا قصيدة “الهَمْزية النبويَّة”؛ ليأخذنا في رحلة بين الماضي والمستقبل وبين الأرض والسماء، لتشهد عظمة الرسول وعظمة رسالته. فهلَّا شربت من هذا الكأس العذب الذي يُعبر شوقي فيه عن عظمة مولد النبي -ﷺ-، ويصوره كنورٍ أضاء الكون كله، وفرحةٍ عظيمةٍ للزمن وللملائكة، وبُشرى للإنسانيَّة جمعاء، فيقول:
“وُلِدَ الهُــدى فَالكائِناتُ ضِيـاءُ.. وََفَمُ الزَمانِ تَبَسُّـــمٌ وَثَنـــــــاءُ
الروحُ وَالمَـلَأُ المَلائِكُ حَولَــهُ.. لِلديــنِ وَالدُنيا بِهِ بُشَـــــــراءُ”.
“معارضته لبردة البُصيري”
بعد أن أحب شوقي قصيدة البُصيري “البُردة” عارضها، و”المعارضة” في الشعر معناها: أن يقرأ شاعر قصيدة معيَّنة لشاعر آخر فيُعجب بها ثم يَنظم قصيدةً أخرى على وزنها وقافيتها، فكانت من أشهر ما كتبه في مدح الرسول -ﷺ-، وتناولت مجموعة من الموضوعات، مما جعلها عملًا أدبيًّا متكاملًا يجمع بين: التاريخ، الدين، الأخلاق والحضارة الإسلاميَّة. يختتم شوقي القصيدة رافعًا يده ابتهالًا إلى الله -سبحانه وتعالى- يدعوه بالخير -في ظل التخلف والتمزق الذي نعيشه-، فكما منَّ الله علينا بالنبي محمد -ﷺ- في البداية، يطلب منه شوقي أن يُتمم هذا الفضل بحُسن الخاتمة والرحمة في الدنيا والآخرة قائلًا:
“فَالطُف لأَجلِ رَسولِ العالَمينَ بِنا.. وَلا تَــزِد قَــومَهُ خَـسفًا وَلا تُسِــمِ
يا رَبِّ أَحسَنتَ بَدءَ المُسلِمينَ بِـهِ.. فَتَمِّمِ الفَضلَ وَاِمنَح حُسنَ مُختَتَمِ”.
“بشارة من الرسول”
في عام (1930) أُصيب بمرضٍ مفاجئ ألزمه الفراش لمدة أربعة أشهر، وذهب شيخ الأزهر وقتها “محمد الأحمدي الظواهري” لزيارة شوقي وقال له: “جاءني الرسول -ﷺ- فى المنام وقال: “اذهب لأحمد شوقي وقل له أنا في انتظارك”، ففرح شوقي كثيرًا. بعدها بعامين تُوفي أحمد شوقي ووصى أن يُكتب على قبره هذان البيتان من قصيدة “نهج البردة”:
“يا أحـمد الخـير لي جاهٌ بتسميـتـي
وكـيف لا يتسامى بالرسول سَمـي
إن جلَّ ذنبي عن الغفران لي أمـلٌ
في الله يجعلني في خـير معتصم”.