فوق سطح منزل بسيط، في قرية شبه مهجورة وفي أدنىٰ رُكنٍ مِن غرفة شديدة الظلمة؛ كان أثاثها الذكريات الباهتة ويَغلب علىٰ لونها الحزن الدامي. يجلس هناك شخصٌ عالقٌ بين ثنايا جسده المتهالك مكبلًا بِأسوار عقله، وبين الواقع الذي أغرقه في سباق لم يكن له من البداية. يتأمل حالته اليائسة وموقفه شديد التعاسة، مقارنة بمن حوله.. كمن يتفقد حال شجر الزيتون متأملًا أن يُثمر رُمانًا!
ومع مزيجٍ بين أصواتِ عقله وروحه وبين ما هو عليه في الحقيقة، يبدأ القنوط وفيه تكمن كل الأزمة! فيُرهق الشخص نفسه ومَن حولِه بِالمقارنة الدائمة بين عدم رضاه بما هو عليه وما حوله، وبين ما ينبغي عليه أن يشارك به في سباق فُرِضَ عليه، هُنا تكون المعركة التي بها العدو والضحية كلاهما نفس الشخص؛ فهو غنيمة المنتصر وحسرة المهزوم.
نحن البشر دائمًا ما نصنع لأنفسنا صناديق مثالية كاذبة نتيجة المقارنات الفارغة بالغير، دون تساوي أوجه هذه المقارنات في كل الجوانب -اجتماعيًا واقتصاديًا-، دون الاكتراث حتى بأمور البيئة من حوله، سواء كانت قرية أو مدينة، مجتمع نائي أو متحضر، شرقي أو غربي، فتكون المقارنات دائمًا غير عادلة ليصبح ناتج المقارنة القنوط! فلا تستطيع أن تسير بوتيرتك، ولا يمكن أن تمشي مع التيار بقدراتك، فَتيأس من مهاراتك وتنقم خيرات الله عليك؛ لمجرد اعتيادك علىٰ المقارنة وعدم رضاك بما تملك.
وبينما أنت سجينٌ في خنادق حروبك الداخلية، يأتي شبحُ العلاقات ليزيد الطين أكوابًا من الماء، فَيلومك على تقصيرك مع هذا ويلومك لإهمالك إياه كما لو أنك والده، ويأتي الأهل لإكمال المسيرة الباهتة من اللوم عليك وعلى حالك واكتئابك وعدم اكتراثك بأي شيء حولك، وأضف على ذلك فأنت ليس لك أي حق لتشعر بكل هذه الآلام! لمُجرد أنك كنت تأكل الفستق وتمرح معهم منذ قليل، ويتهمونك بالدرامية وتهويل الحياة عليك وعلىٰ من حولك وكل هذا بسبب عدم أدائك الصلاة على وقتها، يأمرك بالإلتزام من أجل الصلاح وهو أُمِّيٌّ باتجاه القبلة من أساسًا.
فلا أحد يفهمك ولا أنت بفاهم نفسك حتى تستطيع شرح حالتك لهم، وحتى لو وجدت الشرح لما أنت فيه فهم لا يريدون الفهم، هم فقط يريدون إلقاء اللوم وإظهار أجنحة صلاحهم الملائكية الملطخة بالكذب والغرور والمثالية الكاذبة؛ ظنًا منهم أن بهذه الطريقة ستكون حالتك أفضل. هنا بداية الحرب الحقيقة بين احتياجاتك التي تغزو بها الروم، وقدراتك التي لا تتماشى حتى مع مسيرة بط في بركة ماء راكدة! وبين سباق أسطوري فارغ من كل أشكال العدل.
فتكون المواجهة الأصعب بين أصوات العقل وواقعها القاتل، فإما أن تقتل صوت المثالية وتكون واقعي أو تفرض رغباتك على واقعك قبل عقلك؛ فبين واقع مفروض وفرض مجهول واضعه تضيع أحلامك وعمرك، حتى رغبتك في المشي مِيلًا تنهار؛ إعجازٌ أن تقاوم كل هذا وتوازي بين هذا وذاك وتحقق ما تريد.
فقط بالصبر دون القنوط لحظة، مع إبادة مبدأ المقارنة من قاموسك العملي، تتخلى عن كل أسوارك المميتة وتبني عقلية جديدة، في بيئة نفسية تصلح لزرع إنسانًا قادرًا على التشكل في كل البيئات. حينها فعلًا يمكننا القول أن شجر الزيتون أثمر رمانًا!