قديمًا.. في عصورِ فجر الإسلام، حيث كان الإسلام شمسًا تنشر ضوءها رويدًا رويدًا، بقعةً بقعةً، في فضاء الأرض الواسعة، ظهر رجالٌ حمَّلوا قلوبهم بالإيمان، وعقولهم بفكر التأسيس والبناء.. رجالٌ حملوا راية الجهاد، وحملوا معها تاريخهم وأعمارهم؛ لتحفر مجدًا في كتب التاريخ، إنهم رجال نصروا الإسلام وصنعوا أُممًا.
وفي قلب الأناضول، وسط الفوضى والصراع نرى “عثمان بن أرطغرل” ينادي بكل ما يملكه من قوة: “أمسكوا راية الإسلام الشريفة في الأعلى بأكمل جهاد”، فترفرف الراية هيبةً، ومن خلفه جيش هائل يرى فيه حاكمًا ومؤسسًا.
“اللبنة الأولى”
في الوقت الذي اجتاح المغول بغداد وخربوا بها، ولد “عثمان بن أرطغل” في “سوغوت” عام (656) من الهجرة، أصغرُ أبناء غازي أرطغرل وحليمة خاتون. انتمى لقبيلة “القايي” والتي نزحت من تركستان أمام الإمتداد المغولي في بدايات القرن الـ (13) الميلادي. وحسب المصادر التاريخية فقد حصل والده على أراضٍ منحه إياها السلطان السلجوقي علاء الدين على حدود الدولة البيزنطية، وذلك بعد أن أظهر هو وقبيلته شجاعتهم في الدفاع عنه.
ليملك المؤسس عثمان تلك الأراضي بعد وفاة والده وهو في الـ (23) من عمره، ومن هنا كانت بداية امتدادٍ لرجلٍ تسلم سيف والده، وشق طريقه عازمًا على نصرة الإسلام، وتوسيع البقعة الإسلامية. المؤسس لإمارة تحولت مع مرور الزمنِ إلى دولةٍ كبيرة مترامية الأطراف تمتد عبر (3) قارات.
“مواد البناء: تُبنى الأمم بالأخلاق”
رغم قوته ونفوذه، إلا إنه كان متسامحًا، وحرص على تطبيق العدل والتسامح، ومعاملة أهل كل منطقة تقع في يده معاملة حسنة، وهي المبادىء التي أرساها الإسلام في قلبه؛ لينهال غير المسلمين على دخول الإسلام والخدمة في الجيوش العثمانية آنذاك، يوصي ابنه بالعدل قائلًا: “يا بني، اعدل في جميع شؤونك.. وإذا واجهتك في الحكم معضلة فاتخذ من مشورة علماء الدين موئلًا”، فكانت أولويته مشورة العلماء وأهل الفقه والشرع في مجريات وأمور الحكم، فكان يعلم يقينًا أن العدل أساس بناء الأمم، كما جنى ثماره في حكمه، فأثنى عليه المستشرق الإنجليزي جيبونز قائلاً: “سرعان ما كان أعداؤه يتحولون إلى أصدقاء، يخدمونه ويستمرئون خدمته”
فقد كان رجلًا غيورًا على دينه، متسامحًا وعادلًا، يحكم لبيزينطي مسيحي ضد تركي مسلم في مسألةٍ، فيقول له البيزنطي: “تحكم لصالحي وأنا على غير دينك؟”
فيُجيبه: كيف لا أحكم لصالحك والله الذي نعبده يقول: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا}
“العمود الأول للدولة”
بعد انفراط عقد الدولة السلجوقية عام (1300) ميلاديًا، بايع أمراء الثغور عثمان على السُلطة، لتبدأ حقبة نشأة الدولة العثمانية، والتي بدأت كإمارة فقط. أما وسط المنطقة الحدودية مع الدولة البيزنطية، غلب عدد الأتراك المسلمين، وانشغلت الدولة البيزنطية في حروبها مع الدولة البلقانية كما انقسم العالم الإسلامي إلى دويلاتٍ متناحرة، فحرى بكل ذلك أن تقوم الإمارة العثمانية.
ليبدأ عثمان بحصار “نيقية” عام (1301) ميلاديًا، وهي العاصمة السابقة لبيزنطة، ليرسل بعدها الإمبراطور جيشًا من المرتزقة بلغ عددهم حوالي (2000) مقاتل، فيهزمهم عثمان، ويُذاع صيته، ويتجه الغزاة تحت رايته. ثم يقيم مدينة “يني شهر” بالقرب من برصة، بهدف نقل الإمارة إليها؛ لتستقل الإمارة العثمانية تمامًا عن الدولة السلجوقية عام (1308) ميلاديًا، وتنتقل بعدها مدن: “مكجه”،” آق حصار” و “كول بازاري” إلى الإمارة العثمانية، بعد فترة من صداقة حاكم “خارمان كايا”، “كوسه ميخائيل” لعثمان، وإعلانه لإسلامه والإنضمام إليه، ليعود بعدها لفتح “نيقيه” أيضًا عام (1330) ميلاديًا.
“الحجر الأخير: تسليم راية البناء”
“يا بُني، ليس في الدنيا أحدٌ لا يُخضع رقبته للموت، وقد اقترب أجلي بأمر الله جل جلاله، أُسلمك هذه الدولة وأستودعك المولى عز وجل، اعدل في جميع شؤونك”. بعدما غدا أبًا لسبعة أبناء، وفي اختلافٍ بين المؤرخين؛ بعضهم يذكر أنه تزوج مرتين، والبعض الآخر يؤكد أنه تزوج مرةً واحدة بابنة معلمه “رابعة بالا خاتون”، وأن لها اسمين. أما عهده فانتهى بمضاعفة الدولة العثمانية، وتسليم ولده “أورخان غازي” الإمارة عام (1324).
توفي عثمان في نهاية عام (1324)، عن عمر ناهز (67) عامًا، حالمًا بفتح بورصة، ليُدفن في سوغوت، ثم وبعد عامين من وفاته، تسقط بورصة بعد حصارٍ استمر (24) عامًا، ويتم نقله للدفن بها، وفقًا لوصيته؛ لينتهي بذلك دوره في تأسيس دولة امتدت عبر القارات على مدى (600) عام. إنه مؤسس الدولة العثمانية، عثمان بن أرطغرل، الذي أوصى ولده قائلًا: “يا بُني، لسنا من هؤلاء الذين يُقيمون الحروب لشهوةِ حكمٍ أو سيطرة أفراد، فنحن بالإسلام نحيا، وللإسلام نموت، وهذا يا ولدي ما أنت له أهل”