كما هو الحال.. كل صباحٍ يعجُّ المبنى بحركة الطلبة وتوافد الأساتذة وأصواتهم المُتداخلة، ثم تلحظ خطواتٍ هادئة ومتناغمة مع هذا الصخب، يصحبها تصاعد أبخرة الشاي وحركة الكثير من الأوراق بدقةٍ من مكتبٍ لأخر بيد رجلٍ بسيط يحفظ كل تلك الممرات عن ظهر قلب، يُضيف لكل موقفٍ بصمته فيُرشد طالبًا ويُحوِّل ارتباكه إلى طمأنينة، ينصح معيدًا بعصارة ما أكسبته السنوات ويُذكِّر أستاذًا بأمرٍ غفل عنه! إنه “عم بدر”.
تردَّدت في أذني كلمات عم بدر لي في سنتي الأولى.. تلك المصحوبة بابتسامة تبث شعورًا بالطمأنينة؛ ولمْ يكن ذلك مقتصرًا عليَّ فقط بل كان مكتبه مفتوحًا لكل من احتاجه، لذا شعرت بأهميَّة تسليط الضوء على شخصٍ مثله.
استقبلنا عم بدر بابتسامةٍ ودودة، ثم أرشدنا إلى مكتبه بقسم “العلوم الأساسيَّة”.. تلك الغرفة الصغيرة الدافئة التي لا يُغلق بابها أبدا! جلس على كرسيه وبدأ حديثه بذكر الله والصلاة والسلام على نبيه، ثم عرَّف نفسه قائلًا: “بدر محمد السيد بدر، مصري من كفر البتانون وأعمل كعامل خدمات معاونة بكليَّة الهندسة منذ (1997). لمْ أمتهن تلك المهنة بالوراثة أو ما شابه بل صادفتُ إعلانًا عن مسابقة تعيينات في الجامعة، قدَّمت أوراقي وتمَّ قبولي مؤقتًا في المدينة الجامعيَّة للبنات، وبعد عامين انتقلت للعمل بقسم العلوم الأساسيَّة بالكليَّة واستمر عملي به حتى هذا الحين”
منذ ذلك اليوم ولم يكتفِ عم بدر بمسؤوليَّاته البسيطة كعاملٍ فقط! عبَّر عن ذلك الطموح اللافت قائلًا: “أنا جيت الشغل الصبح عامل وعايز أروح دكتور.. دكتور في مجالي”.
تغيَّرت ملامح المبنى وتغيَّر الموجودون به ولكن لمْ تتغير جلسة عم بدر أو حتى ينقص إخلاصه لمدةٍ تفوق الربع قرن! كان من الضروري سؤاله عن التغيرات التي شهدها بمرور الأجيال، وذلك على مستوى الطلبة والأساتذة؛ فبدا وكأنه يسترجع لحظاتٍ ممتزجة بخليطٍ من المشاعر، ثم قال: “الطلبة سابقًا لم يكن لديهم الوعي الكافي بالفرق بين الثانويَّة والكليَّة، مما انعكس على تعاملاتهم وطريقة تفكيرهم، فتمر الأسابيع دون أن يشعروا بها ثم تأتيهم الامتحانات بغتةً! لكن الآن أصبح هناك وعي بالفرق بين المرحلتين بتناقل الخبرات بين الأجيال وبعضها، كما أن الطلاب أصبحوا مدركين تمامًا لما تعنيه “كليَّة الهندسة”، صاحَب ذلك كثرة الأساتذة المُتخصصين في تدريس المقرر الواحد؛ فيُسهم ذلك في تنوع طرق الشرح وتعدد الكتب والمصادر المتاحة للمذاكرة، مما يجعل تجربة الطالب التعليميَّة أكثر متعةً وسلاسةً لاختلاف طريقة التفكير بين طالبٍ وآخر؛ فأصبح اختيار الطريقة متاحًا لهم ليفهموا بشكل أفضل”.
لمْ نُرد الخروج من فقاعة الذكريات والعودة إلى الحاضر، فكان سؤالنا عن الموقف الأصعب الذي واجهه خلال سنوات عمله، اعتلت وجهه ابتسامة نابعة من الرضا وردَّ قائلًا: “خلال فترة عملي تردَّد على إدارة القسم (6) رؤساء، لمْ يسبق لأيِّ منهم الإساءة لي أو حتى إزعاجي، بل لمْ يُنادني أحد باسمي مجرَّدًا قط!”
ذلك الرضا لمْ يكن خارجيًا فقط.. بل كان سر تلك الملامح القانعة يقبع في نفسه. لذلك سألناه عن لحظةٍ تركت أثرًا مميزًا في نفسه، فأجاب: “حين كُرِّمت في المؤتمر العلمي للكليَّة بالعام الماضي، ربما يراها الجميع مجرد شهادة تقدير؛ لكنها تحمل معنى كبيرًا بالنسبة لي.. فهي تقديرٌ لجهودي طوال السنين الماضية”.
في تقاطعٍ واقعٍ بمنتصف العاصمة.. تجد الشرطي يحفظ انسيابيَّة حركة المرور بمعرفة أوقات الذروة، تنظيم مرور السيارات مع تفادي الاختناقات أو الحوادث. كان عم بدر كالشرطي بقسم العلوم الأساسيَّة.. يُنظم حركة الأوراق بين المكاتب، يُساعد المعيدين في إدارة مسؤوليَّاتهم الجديدة بل ويُساهم في حل مشاكل الطلبة! ولأننا نعلم أن لكل ثمرة الجذور الخاصة بها أصبح سؤالنا التالي: كيف روَّضت النشأة لهذه الأخلاق وحب المساعدة؟ فتبسَّم وقال: “كان لوالدي دورٌ في هذا.. رغم كونه فلاحًا بسيطًا لكنه تحلَّى بالأمانة والإخلاص، كان يُذكرنا دومًا بحديث النبي -صلَّ الله عليه وسلم-: “من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته”، لذلك أشعر أن مساعدتي لطالبٍ فيدعو لي هي أعظم مكافأة.. بل تفوق أي مال! وعندما يُواجه ابني مشكلة ما ويُساعده غريبٌ في حلها، أُوقن أن الله عليم بما فعلته مع طلبة لا أعرفهم وقد رُدَّ لي في ابني”.
لم تترك تلك السنوات عم بدر دون أثرٍ، ربما ترى بعض التجاعيد أو حتى الشيب في رأسه؛ لكنَّا رأينا الأثر الغالب عليه حكمةً وخبرةً. لذلك طلبنا منه بعض النصائح للفئات التي يتعامل معها يوميًا، فرد قائلًا: “على كل طالب أن يُحب الكليَّة ويُقدر كونه مهندسًا؛ لأنها وظيفته في المستقبل وعليه الاجتهاد فيها. كما أن عليه استيعاب أن المنظومة التعليميَّة أُنشئت حتى يضمن حقه في التعلم، وألا يخجل من طلب حقه؛ لأن الأستاذ والمعيد وجميع العاملين هدفهم الاستفادة الكاملة للطالب”.
“متعاملوش الطالب ميري”
لم يكتفِ عم بدر بنصح الطلبة فقط، فقال مخاطبًا الأساتذة: “عليكم مراعاة ظروف الطلبة؛ لأن تأثير الأستاذ على الطالب ليس دراسيًا فقط”.
واستدلَّ على ذلك قائلًا: “أنا لحد النهاردا بحب مادة الحساب لأني كنت بحب المدرس بتاعها، لكن كنت أكره العربي بسبب الأستاذ”.
لن يُحب أحد أن يُنهيَ لقاءً كهذا، لكن لكل جميلٍ نهاية ولذلك طلبنا منه في نهاية لقائنا أن يُوجه كلمة للجريدة فأبدى إعجابه بما نفعل -وإن لم يكن مُلمًا بما تُقدمه الجريدة بشكلٍ كامل-؛ لأن لقاءً كهذا لو صنع تغييرًا في حياة طالب أو أستاذ فقد تركنا أثرًا.