وطني الغريب والذي أعرفه!

في رحلتي للبحث بين روايات الأدب المتنوِّعة عن شيءٍ جديدٍ يُعيد لي شغف القراءة؛ وجدت عنوانًا غريبًا.. “قُشْتُمُر”! تساءلت في نفسي عن معناه، وكانت نتيجة البحث أنَّه مقهى كان يمتلكه الموسيقار محمد عبد الوهاب، ويقبع بحي الحُسينيَّة -بميدان قُشْتُمُر-، وكان المقهى المفضَّل لدى كثيرٍ من الأدباء ومنهم نجيب محفوظ، الذي صنع مِن قُشْتُمُر بطلًا لروايته.

جعل نجيب من قُشْتُمُر وطنًا ثانيًا جمع بين الأبطال الأربعة مُنذ الصبا، بعد وطن العباسيَّة المُقسَّم للعباسيَّة الشرقيَّة التي تحيا بها الطبقات الكادحة، والعباسيَّة الغربيَّة التي تضج بسرايا الباشاوات. انبهر أبناء العباسيَّة بهذا التنوُّع، فكان الفقراء منهم يعتبرون سرايا الأغنياء جنَّة الله على أرضه، والأغنياء أيضًا ينبهرون بكل ما يحمله الفقر مِن بساطة، ولكن اجتمعوا رغم هذا الاختلاف على شيئين: جميعهم شاقوا من حروبهم، وجميعهم تمنَّى الحب. شهدوا أول حروبهم في المقاومة الشعبيَّة للتحرُّر مِن الإنجليز، وأول ما عرفه أبطالنا عن الوطن نداء “سعد سعد.. يحيا سعد” ليتحرَّروا من الطفولة وتتلاعب بهم المراهقة، فلم يعد وطن العباسيَّة بطبقيَّته يسعهم، وفتح قشتمر أبوابه لاحتضانهم ببساطته التي ساوت بين الجميع، وجعلت لصوت أفكارهم صدى يُسمَع؛ فسمع كل ما يجول بفكرهم، وعرف متغيَّراتهم واختلاف طبائعهم.

جعل منه الصديق الذي يعرف أبطالنا عن كثب فيعرف عن صادق صفوان أنَّه وحيد أبويه ذلك المتديِّن والمُنبَهر بسرايا الزين باشا، وأمل والده في التحاقه بوظيفة حكوميَّة لمستقبلٍ جيد، ويعرف إسماعيل قدري المتفوق الذي يسبق أصدقاءه دائمًا بخطوة والذي يرى أن التديُّن يختلف عن تأمُّل الخَلق. كان لقشتمر مكانة خاصة أيضًا في قلوب أبناء العباسيَّة الغربيَّة؛ حمادة الحلواني ذلك الثري الذي لا هدف له في الحياة غير الحياة ذاتها، يجد هدفه في مجلسه هناك، أما طاهر الأرملاوي الذي يريده أبوه أن يسير على نهجه ويُصبح طبيبًا، اكتشف في نفسه لوعة الشعر هناك، كما اكتشف خلوه من أي انتماء ديني في الحياة. على تلك الطاولة اكتشفوا بأنفسهم وبالعالم آفاقًا جديدة وحلَّقوا بها، وصار الحديث المكوَّن من أربعتهم فقط ملاذًا يوميًّا يفرون إليه من ضجيجهم، ويسردون تغيُّراتهم الحياتيَّة ويتفاعلون في كل ما هو جديد يطرأ حولهم، ورغم اختلاف الآراء كان ودَّهم القضيَّة.

مع تبدُّل أحوال البلاد السياسيَّة مِن مقاومة الإنجليز إلى أول فترات حكم الرئيس الراحل: حسني مبارك، يتقلب حال أبطالنا على مدار الأعوام، منهم من ودَّع أحبابه، ومنهم من دلف الحب إلى قلبه سريعًا. البعض حقق أحلامه، والآخر لاحقه الحظ العسر، هناك من قبض على المجد، وهناك من تهاوى من فوق قمَّته، وذهب كلٌ منهم لطريق رسمه القدر، وظلَّت تتقاطع طرقُهم عند قشتمر.

حروب الوطن زرعت في قلوبهم الأسى، وأي أسى أشد بعد موت بطلهم سعد زغلول، وحروب الحب جعلت وجوههم تشيخ، وحدها الصداقة كانت تقلِّل مِن مرِّ العالم. جاء التأميم فساوى بين العباسيَّة الشرقيَّة والغربيَّة، وأصبحت العباسيَّة مكانًا غريبًا عن وطنهم القديم بالعمارات الفارهة واختفاء السرايات، ودمجت الباشاوات بالكادحين كشعبٍ واحد، ويتبدَّل كل شيء ويبقى قشتمر شيئًا لا يُبدَّل.

كعادة نجيب محفوظ يحتضن في رواياته الواقع بشكلٍ فلسفي؛ فكتب قشتمر عام (1988) تميَّزت بنفس طابع رواياته، وهي رواية قصيرة مكونة من (154) صفحة، وتُعد آخر رواية ألَّفها، وتتحدَّث عن فترات سياسيَّة مختلفة في البلاد، مع الاهتمام بالجانب الاجتماعي في حياة الأبطال، الذي كان كل منهم يُمثِّل رأيًا وفكرًا مختلفًا، وعُرِضَ العمل كمسلسلٍ تليفزيوني عام (1993).

الأصدقاء الأربعة مثَّلوا في قشتمر: (الشاي، السكر، النعناع، القرنفل) الذي يعطينا نكهةً مميزة للماء، هذا الماء الذي جعل من صداقتهم شيئًا سهلًا عذبًا. لقشتمر الفضل في تلك الصداقة العميقة لا يقدر الأبطال على نكرانها، ويصل ذلك العمق في قولهِم: “سيكون أتعسنا من يمتد به العمر بعد رحيل الآخرين”.

– التقييم: (9/10).

Previous Article

ما لا يسع المسلم جهله.. أسس لا غنى عنها

Next Article

الفلسفة بلغة العالم

Write a Comment

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨