في الآونة الأخيرة، كلما نزلتُ إلى الشارع لأتسوق.. أجدها، في واجهات المحلات، فوق الأرفف، معلقة على الحقائب، مطرزة على الملابس، مطبوعة على الدفاتر، متسللة حتى إلى ألعاب الأطفال البريئة. رأس واحد يتكرر في كل مكان: اللابوبو. في بداية ظهورها كان عليها طلب شديد من الكبار قبل الصغار، العروسة الأصلية وربما النسخ الـ”هاي كوبي”، هي لم تكتفِ بأن تكون عروسة، بل اكتسحت السوق بكل الهيئات الممكنة، حتى بدا وكأن كل شيء يجب أن يحمل ملامحها كي يُباع!
العجيب أن هذه العروسة -القبيحة، وربما المخيفة- لا تُشبه الطفولة في شيء. لا تعبر عن مرحها، ولا عن حنانها، ولا عن الأمان الذي يُفترض أن تنقله لعبة لطفل. تصميمها نفسه غير ملائم لعالم الأطفال: أسنان حادة، عيون جامدة، ملامح مُربِكة لا تُغذي خيالًا ولا تطمئن قلبًا، بل تُشوِّه براءة الطفل وتُربك رؤيته البسيطة والمتفائلة للعالم؛ لذا لا تصلح للعب ولا تُثير ودًا. هي أقرب إلى ديكور يوضع على رف، أو أداة لضمان الـ(Reach) بتصوير ڤيديوهات الـ(Unboxing)، أو حتى تفصيلة تُذكر عَرَضًا في حديث عادي: “أصل أنا اشتريت لابوبو”. مجرد لعبة بلاستيكية تحولت فجأة إلى شيء يُلاحَق، وتُحجز منه النسخ، ويُدافع عنه بحماس، كأن له قيمة حقيقية.
الأغرب من وجودها، هو تحولها إلى بديهية. كأن امتلاكها صار أمرًا مفروغًا منه، ومن لا يملكها يُنظَر إليه باستغراب، لا لشيء سوى أنه خارج السياق. مع أن أول مرة رأيتها كان سؤالي بسيطًا: “ليه ممكن حد يشتريها؟”
الإجابة -على ما يبدو- لم تعد متعلقة بالحاجة ولا بالإعجاب. الرغبة الشرائية لم تعد تُحرِّكنا تجاه ما نحتاجه فعلًا، بل تجاه ما يُمكن عرضه، تجاه ما يُحسن صورتنا أمام الآخرين. لم يعد السؤال: هل هذه تعجبني؟ هل أحبها؟ بل: كيف سأبدو إن ظهرتُ وهي في حوزتي؟
هكذا سبقت اللقطة السعادة، وتقدم المظهر على التجربة، وصارت عملية الشراء محاولة للانتماء أكثر منها بحثًا عن فائدة أو متعة. اللابوبو لا تُشترى لتسعد صاحبها، بل لتقول: أنا هنا، أنا مثلهم، لم أتأخر عن الركب!
حتى لو لم تعجبك اللابوبو، لا بأس. الجمال لم يعد ضرورة، والذوق لم يعد جزءًا من المعادلة، والإحساس بالسعادة لم يعد هو الهدف. الهدف الوحيد هو مواكبة التريند. وهكذا تُصنع الرغبات: لا بالإقناع، بل بالإلحاح. جزء كبير من نجاح هذا الإلحاح يظهر في السعر، رقم مبالغ فيه.. لا يشتري جودة ولا فائدة، بل يشتري مكانة. لا يقول أن الشيء جيد، بل يقول أنه “ليس للجميع”. مجرد عروسة تورث شعورًا بالفوقية وبإثبات الذات… حتى لو كانت الذات نفسها لا تدري ماذا تُثبت، ولا لمن.
ثم ظهرت اللافوفو -النسخة المقلدة-، وانتقلت العدوى إلى الطبقات الأفقر. لا حبًا في تلك العروسة، ولا اقتناعًا بما تمثله، بل خوفًا من البقاء خارج اللعبة. فيُقبِل البعض على نسخة رخيصة من “حلم” لا يملكونه، فقط ليشعروا بوهم الاقتراب لا أكثر. وعندما يُسأل أحدهم: “ليه بتعملوا في نفسكم كدا؟” يأتي الرد الجاهز: “فلوسي وأنا حر”. هنا أتذكر جملة شهيرة من أحد الأفلام، كأنها كُتبت لهذا الموقف: (We buy things we don’t need, with money we don’t have, to impress people we don’t like)
ويظل السؤال الحقيقي معلقًا: هل أنت متأكد من حريتك هذه؟ هل خرجت تلك الرغبة منك؟ أم زُرعت فيك مع التكرار؟
المشكلة ليست في اللابوبو ذاتها، بل في ما تمثله: كيف يتحول الشيء من اختيار شخصي إلى معيار اجتماعي؟ كيف يُعاد تعريف العادي بسرعة مخيفة.. حتى يبدو الخارج عن السياق كأنه ناقص، لا مختلف. هنا لا يعود التريند مجرد موجة استهلاك، بل أداة ضبط ناعمة، تُعيد ترتيب الناس داخل المشهد: من في الصورة ومن خارجها، من يواكب ومن تأخر.
اللابوبو -في النهاية- مجرد تريند، سيختفي كما اختفى غيره، وسنحتاج بعدها إلى عروسة جديدة وضجة أكبر؛ لنشعر بنفس القبول المؤقت. مع أن انتماء الإنسان لا يُقاس بما يُوضع على الرف، بل بما يستقر في عقله وقلبه. وهذه اللعبة التي لم تضف لك معنى.. غالبًا سلبته.