من قائمةٍ طويلة لمؤلفات نجيب محفوظ.. وقع الاختيار على روايته “بداية ونهاية”؛ ربما لأنني أردت أن أعرف: ما البداية؟ وما النهاية؟ وما بينهما؟ فرأيت الاسم أشبه لي بفصول الحياة متكررة ومتصلة.. فلكل بداية نهاية، وعندما تأتي النهاية نبدأ بداية جديدة. نظن بأننا نسير على وفق ما نهوى بتلك الرحلة؛ لكنها الحياة التي تصنع ما تهوى بنا؛ لتُؤكد لنا أن البداية والنهاية لوحة مرسومة لا يسعنا إلا تأملها.
بدأت الرواية بموت الأب -عائل الأسرة الوحيد-؛ ليلوح في وجه الأسرة ربيع العمر الذي ينجلي! تتذكر الأم كم كانت تتباهى بأن زوجها من الموظفين الحكوميين وليس من العمال. يجلس حسن -الابن الأكبر- مستسلمًا لنهاية تكتب بدايته كمسؤول عن الأسرة بعد تدليل أبيه، والذي كان يحتمي خلفه من قسوة الحياة. بينما نفيسة تبكي ذاتها مع أبيها، فكانت كلماته الحانية لها هي سلوها عن عدم جمالها وعنوستها. حسين يبكي شاردًا خاضعًا لأمر الله، وحسنين تدمع عيناه لكنها تجول في الأرجاء، يرى الأهم في إقامة جنازة تليق بوالده.
صوَّرت عدسة الأديب البيت البسيط -بعطفة نصر الله بشبرا- بما يحمله من فقر وبساطة، وكم تعيش الأسرة فيه على الكِفاف. هنا الأم المكافحة الصبورة عمود يُقيم البيت قبل أن يقع رمادًا، فبعد رحيل الأب كل عمدان البيت تحمل الهواء! سقطت الجدران وانكشف البيت لعراء الفقر، انتهى الربيع وأطلَّت شمس صيفٍ قاحلة. ولم تقف عدسته عند البيت.. بل صوَّر لنا أيضا مقابر الأسرة التي تُشبه مقابر الصدقة بدون فناء.
بتتابع الأحداث تجد نفسك معهم تحت سقف الفقر والمعاناة؛ فتتعاطف تلقائيًا مع الأم وتدعم قوانين النجاة التي تُحاول فرضها. تحث معها حسن ليبحث عن عمل، وتُوجب نفيسة على العمل بهوايتها المفضلة -الخياطة- لتُدر بعض الجنيهات للأسرة، ولابد أن يتخلى حسين وحسنين عن المصروف اليومي وعن وجبة الغداء بالمنزل واستبدالها بالوجبة الدراسيَّة. تنتقل معهم للعيش بالطابق السفلي لعمارتهم فهو أقل تكلفة عن الأدوار العلويَّة. تذهب مع الأم لفيلا أحمد بك يسري -مفتش بالداخليَّة وصديق الوالد- لتستنجد بسلطته لتسريع إجراءات المعاش، وبعد فترة عندما لا تُؤتي القوانين جدواها تُرافق مأساة الأسرة وهم يبيعون أثاث المنزل قطعةً تلو الأخرى.
يُقدم نجيب فلسفةً خاصة عن الفقر والاختلاف بين البؤس والرضا، يشرح فيها تعاقب فصول حياة الأبناء الذين كان ميراثهم الوحيد ملابس والدهم، وتأثير بدايتهم على نهايتهم. يُوضح كيف يحرق الصيف بحرارته كل شيء؛ من حمل التدبير التي تتكبده الأم يوميًا، وهم الإنفاق الذي وقع على الابنة، والسخط والرضا الذين تفرقا على الأبناء.
ثم يأخذنا لفصلٍ جديد -الخريف- وفيه يسقط كل شيء ويتناثر؛ ليأتي بعده الشتاء ببرودته وجموده ويُنهي البدايات بنهايةٍ ليست مثاليَّة لكنها حتميَّة. مثلما بدأت قصتنا بالموت انتهت بموت، فالموت يعقبه سكون بينما الحياة تعقبها تحديات، وأي تحدٍ أبشع من تحدي الفقر!
كتب نجيب محفوظ “بداية ونهاية” عام (1949)؛ ليُجسد واقع المجتمع المصري إبان الحرب العالميَّة الثانية والفروق بين الطبقات، في (412) صفحة شبَّه فيها الحياة بالقطار الذي لا ينتهي مساره، لا ينتظر أحدًا بل يمر وبعد كل نهاية يبدأ من جديد. تُعتبر واحدةً من رواياته التي دلفت للسينما في فيلم عربي حمل ذات الاسم عام (1960)، كما أُنتج عنه فيلم درامي مكسيكي عام (1993) بعنوان (Principio y Fin).
– التقييم: (10/10).