من هجاء الإسلام إلى بردة النبوة

كقطعة أرضٍ تُورَّث، أو بيتٍ يظل شاهدًا على ساكنيه، أو نسبٍ يمتد عبر الأجيال؛ هكذا يُورَّث الشعر أيضًا، لكنه ليس إرثًا عاديًا، بل نقشٌ خالدٌ في ذاكرة الزمن؛ هكذا خُلِّد “كعب” بعدما نشد أبيات المديح النبوي، وفاز بإرث البُردة.

“إرث زهير”

وُلد كعب بن زهير في عائلةٍ تتوارث الشعر كإرثٍ نفيس، فكان والده زهير بن أبي سلمى أحد أعلام الشعر الجاهلي، وعمته الخنساء سيدة الشعر العربي؛ ليُصبح الشعر يسري بقلبه سريان الدماء. تعلَّم أسرار الشعر العربي وأثمن كنوزه، وتعلَّم شيم العرب الأصيلة. سار على نهج أبيه في كل شيء تقريبًا، وعندما أسلم أخوه “بُجير” هجاه، يقول: “أَلا أَبلِغا عَنَي بُجَيراً رِسالَةً.. فَهَل لَكَ فيما قُلتَ بِالخَيفِ هَل لَكا

شَرِبتَ مَعَ المَأمونِ كَأساً رَوِيَّةً.. فَاِنهَلَكَ المَأَمونُ مِنها وَعَلَّكا”. وخوفًا للحيود عن دين أبائه راح كعب يهجو النبي والإسلام واعتبره عداءً خاصًا به، وكان هذا الهجاء يُؤذي النبي والمسلمين.

“وحشة الضياع”

فتح المسلمون مكة وأمر النبي بإهدار دماء كل من هجاه وكان من بينهم كعب، فأرسل أخوه بجير أبياتٍ يُنذره ويطلب منه التوبة والتماس العفو عند النبي، فينصح كعب قائلًا: “فَمَن مبِلغٌ كَعباً فهَل لَكَ في التي.. تلومُ عليها باطِلاً وَهي أحزَمُ

إلى اللَهِ لا العُزى ولا اللاتِ وحدَهُ.. فتنجُو إذا كان النجاءُ وتسلَمُ”؛ فاستجار كعب بقبيلته فلم يعيروه اهتمامًا، فالتجأ لرجل يعرفه قد أسلم ليجعل النبي يقبل مقابلته، وذهب معه ملثمًا إلى المسجد يحمل قصيدته مقابل حياته. أدرك كعب أن شعره الذي ورَّطه في معاداة الإسلام هو سبيل العفو له؛ فأنشد على مسمع النبي قصيدته “بانت سعاد” والتي احتوت على ستين بيتًا.

“أبيات مقابل حياة”

كانت سعاد التي يحن إليها كناية عن قبيلته وجاهليته اللتين نبذوه، فقال عنهم: “وما سعاد غداة البين إذ رحلوا إلا أغن غضيض الطرف مكحول”، وتحدث عن غدر دنياه به فقال: “فَلا يَغُرَّنَكَ ما مَنَّت وَما وَعَدَت.. إِنَّ الأَمانِيَ وَالأَحلامَ تَضليلُ”، وطلب العفو من رسول الله منشدًا: “أُنبِئتُ أَنَّ رَسولَ اللَهِ أَوعَدَني.. وَالعَفُوُ عِندَ رَسولِ اللَهِ مَأمولُ”، ثم أكمل كعب قصيدته إلى أن قال: “إِنَّ الرَسولَ لَسَيفٌ يُستَضاءُ بِهِ

مُهَنَّدٌ مِن سُيوفِ اللَهِ مَسلولُ”؛ فقام النبي وألبسه بُردته -عباءته- إكرامًا وتقديرًا لشعره؛ لتُسمى القصيدة بـ”البُردة”، وتحوَّلت حياته للدفاع عن الإسلام.

“حب مصبوغ بقلق”

في بردته أقر برسالة سيدنا محمد -ﷺ- ليُمهد بها بطلب العفو وامتدحه بالقتل في سبيل الحق والدين، وبالأنصار الذين هاجروا معه؛ فسار على نهج قصيدة كعب الكثير من الشعراء. أصبح يهجو كل من هجا النبي قائلًا: “لا يَقَعُ الطَعنُ إِلّا في نُحورِهِمُ.. ما إِن لَهُم عَن حِياضِ المَوتِ تَهليلُ”، وامتدح النبي مصورًا إياه أسدًا أهيب من الأسد: “لَذاكَ أَهَيبُ عِندي إِذ أُكَلِّمُهُ.. وَقيلَ إِنَّكَ مَسبورٌ وَمَسؤولُ

مِن ضَيغَمٍ مِن ضِراءَ الأُسدِ مُخدِرَةً.. بِبَطنِ عَثَّرَ غيلٌ دونَهُ غيلُ.”، فساق هذه الصورة ليُظهر قلقه وحبه للرسول -ﷺ-.

“نجاة من فناء الزمان”

وقد أعطى الإسلام لشعر كعب رصانة التعبيرات وفصاحة اللسان، ولين قلبٍ جعله لا يذكر اسم أحدٍ في هجائه ولا يذمه ذمًا ليس به، وجعل من حكمته الزهد والتأمل في الأقدار؛ كما قوله: “لَو كُنتُ أَعجَبُ مِن شَيءٍ لَأَعجَبَني.. سَعيُ الفَتى وَهُوَ مَخبوءٌ لَهُ القَدَرُ

يَسعى الفَتى لأُِمورٍ لَيسَ مُدرِكَها.. وَالنَفسُ واحِدَةٌ وَالهَمُّ مُنتَشِرُ”.

” مِن صحراء قومه لألسنة العالم”

انتمت “البُردة” إلى بحر البسيط ووزنه، وتوفَّر أكثر من خمسين شرحٍ ونقدٍ لها. تُرجمت لشدة جمالها إلى عدة لغات منهم: (الفرنسيَّة – الإيطاليَّة – الإنجليزيَّة – التركيَّة)، غير ديوانه الشعري الذي أصبح محل اهتمام جميع الشعراء، قال عنه عمر بن الخطاب: “أشعر الناس”. وقد ظل كعب محتفظًا ببُردة النبي، حتى اشتراها معاوية بن سفيان من ورثته بعشرين ألف درهم، والتي أصبحت رمزًا للخلافة ومكانة للشعر. اختلف المؤرخون في تاريخ وفاته لكن اتفقوا على أنه ترك ببردته أثرًا لا يزول.

Previous Article

شاعر النبوة.. المجاهد بالكلمة

Next Article

نجم البوشناق.. علي عزت بيجوفيتش

Write a Comment

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨