ياسين.. بطل صنعه الشر

في الوقت الذي تمتلئ فيه المدرسة بصخب الأطفال، لعبهم وضحكاتهم، كان الخلاء يعج بصراخ طفلٍ لم يتجاوز الخامسة، طفل لم يعِ من الدنيا شيئًا، كان فقط يُريد أن يُصبح بطلًا خارقًا مثله مثل باقي الأطفال؛ لكن حتى الأبطال لا يستطيعون هزيمة كل الشر الموجود في هذا العالم.

رجلٌ في التاسعة والسبعين، تجرَّد من إنسانيته، من عمره، من كل ما يربطه بالبشر. رأى في طفلٍ صغير وسيلة لإفراغ وحشٍ يسكنه، لم يرحمه! تعدَّدت الأماكن: مرحاض المدرسة، جراج مهجور وسيارة قديمة، ويتكرر المشهد: ياسين يصرخ، ياسين يتوسل، ياسين يُسحَب من طفولته جثةً حية، ولم يكتفِ فكان يضرب الصغير، يجذب شعره، يُعيِّشه في رعبٍ دائم ويُفقده كل ما يَمت للطفولة بصلة.

“لو حكيت.. هعمل في أهلك زي ما بعمل فيك!”، فسكت وكتم أنفاسه، وجعه وروحه، ليحمي من يُحب، خاف على أهله أن يتعرضوا لما يتعرض له! ضحى بنفسه ككل الأبطال الخارقين؛ لكنه بطلٌ صغير.. بطلٌ مكسور.

تُرتب العاملة ملابسه، تمسح دموعه وكأن شيئًا لم يكن، وكأن روحًا بريئة لم تعد كما كانت.

الألم كان أكبر من جسده، لم يدُم صمت بطلنا طويلًا ولجأ إلى ملاذٍ ظنَّ أنه آمن “معلمته”. كانت أمله التي سترحمه من عبء لا يتحمله أحد، وما كان من المعلمة إلا أن تسأل: “هل قلت لوالديك شيئًا؟”، بدلًا من تعليمه حماية نفسه، وزادت: “إيَّاك أن تقول شيئًا”، أجبرته على الصمت، وأكملت حياتها بين المزاح واللعب وكأن شيئًا لم يكن.

لم ييأس وذهب لآخر آماله “مديرة المدرسة”، تسمعه بكل اهتمام، تخبره “كم أنت قوي، كم أنت بطل! والآن خذ حقك من هذا الشرير”، وأعطته عصا، وقالت: “اضربه.. خد حقك!”، ضربة عصا؟
هل هذا ثمن الطفولة حين تُذبح؟ يأخذ حق عِرضه وطفولته المُدماة وحياته التي لن تعود لسابق عهدها أبدًا بضربة عصا؟

تحوَّلت المدرسة في عينيه من البيت الثاني وأكثر مكان يملؤه الناس بالذكريات السعيدة، لمكان مُظلم ليس به إلا ذكريات موحشة وكوابيس تُطارده كل ليلة -كأي بطلٍ خارق-.

لم تعد الوحوش الأسطوريَّة تُخيفه بعد الآن، لن تُرهبه “أمنا الغولة” ولا غيرها، باتت مخاوفه تتمثل في: رجل مسن، صابون، الأبواب المغلقة، ومدرسة!

بعد فترة من الاعتداء بوحشيَّة تُقدر بسنة، لاحظت والدته آلامًا عند دخوله للخلاء؛ ليصدمها الطب الشرعي باحتماليَّة تعرض صغيرها للاعتداء، وبعد أن اطمئن قلب الفتى بقرب موعد سفر والده، ينزاح عن كتف الصغير هم أن يتعرض والداه لما يتعرض له، كان يحمل الهم حتى عن أهله! وكأن الطفولة نضجت قبل أوانها وتكسَّرت.
لملم شتات نفسه وأخبر والدته بما يحدث.

لم تنم أمه بعدها، جابت المحاكم، طرقت الأبواب، كانت ومازالت الدنيا في عيونها مقتصرة على حق طفلها، وبقلبٍ محترق.. سعت وحدها في المحاكم ورفعت القضايا، رغم خطورة الموقف وقلة سالكيه.
حتى أتى اليوم المشهود. اليوم الذي سيُسدل فيه الستار عن تلك القصة المشؤومة، تجمهر الناس أمام المحكمة، يرفعون لافتات كُتِبَ عليها: “البطل ياسين”. توقف الزمن لحظة، فقد وصل ياسين وهو يرتدي زي الأبطال، فاليوم هو الذي سيأخذ فيه ياسين حقه، كان بطلًا.. بطلًا بحق.

بعد مرافعة عظيمة من والدته، بصوتِِ لا يهتز، المرأة التي لم تتوقف للحظة طوال عامٍ كامل عن السعي وطرق الأبواب الموصدة، تُطالب اليوم بحق نجلها في الحياة. بطلنا الذي حضر المحاكمة برداء “سبايدر مان”، البطل الذي يحمي العالم من الأشرار، بردائه الخارق وإشارة من يده حُكِم على الشرير بالأشغال الشاقة المؤبدة. والنصر كل النصر للبطل ياسين!

انتهت القصة، لكن أثرها لن ينتهي؛ لأن للحقيقة ياسين لم يُولد بطلًا، بل صنعت منه الوحوش بطلًا رُغمًا عنه.

Previous Article

إبراهيم أبو مهادي.. العائلة كل شيء

Next Article

الغلبان.. طير يحلق دون أجنحة

Write a Comment

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨