يُحكى أن المرارة زادت في شارعنا بعد اختفاء الشيخ يعقوب، رجل ضائع يسكن شقة الدور الثاني، أخذ يُدخن ما يقرب ثلاثة أيام متتالية في شرفته ثم اختفى. أخبرني جدي أنه رجل غريب جاء به من القاهرة ليستقر هنا. أخبرتني جدتي أنه أحد رجال الله وأوليائه لكن حياة المدينة أكلت عقله، فالرجال الصالحون لا يمشون في المدن.. يحتضنهم الريف أو الصحراء، لكن المدينة تبتلعهم.
جدي حين أراد التقرب إلى الله مكث في قرية نائية وهناك وجد الله. صلى وصام وقام حتى تزوج جدتي وأسسا عائلتهما، وحين جاءوا للمدينة سكنت قلب جدي “روح شريرة” هذا ما تقوله جدتي وتردده بحسرة قلب مكلوم بعدما تزوج عليها: “الشياطين تسكن الآن قلبه كما تسكن المدينة”. المدينة غول يبتلع الناس ابتلع الأسرة، ابتلع أبواي في حادث سيارة جاءت مسرعة بغير أوان كسقوط أخيلة الخريف. “السيارات لم تكن تدخل القرية القديمة” تحكي جدتي. تُحب دائمًا أن تنعم بالهدوء لتلوم جدي على قتل ابنها الوحيد بمجيئه للمدينة، تخبرني دومًا في عتاب، أن الريف دافيء والمدينة باردة، تضحك على الرجال وتغوي النساء.
الشيخ يعقوب يزورني في الأحلام منذ غيابه، أراه مرة ساحرًا مارقًا أو جنًا خفيًا يختلط بقصص جدي عن العفاريت، لكنه يغني في كل الحالات أعذب أغاني الشتاء. الشيخ يعقوب رجل غموض، كان يرسلني لأُحضر له بخورًا من عند سمير العطار وسجائر بيضاء، وحين أعود أجده يغني بصوت حسن، كما لو كان مطربًا عذبًا في أزمنة الراحة والرخاء، يفتح الباب فيبدوا وجهه المتغضن كأنه اكتسى شبابًا جديدًا وهو يغني في راحة ويسر.
في المساء لا أرغب في أن أقلقه، أجلس أمام بسطته أستمع له يغني: “يا دنيا يا غرامي، يا دمعي يا ابتسامتي”.
زوجة جدي الجديدة امرأة خفيفة الظل تضحك فتُسمع الجيران فتتقد نار جدتي غيظًا، وجدي كهل يطيب له الحديث معها وحين لا يجد ما يقوله يُخبرها أنه عرف الشيخ يعقوب قديمًا، رآه في الحسين منذ زمن، مثل شحاذ كان يجلس بعيدًا عن الناس مهجورًا ووحيدًا. ينتظر من يلقي إليه رغيفًا أو تحية أو من يشعل له سيجارة على رماد الأيام، وحين استوقف جدي منظره، رثاه في نفسه، وسأله عن حاله، فقال الشيخ يعقوب بدون مقدمات: “كل هذا لأني ولدت مستقيمًا مثل ناي وخجولًا مثل ورقة شجر تسقط مع كل هبة ريح”.
جدي الذي قرر أن يتزوج من امرأة أخرى لأنه رأى في المنام طيفًا عابرًا تذكره من ماضيه السحيق، جدي الذي قرر في تلك اللحظة أن يأخذ بيد الشيخ يعقوب ويعود به إلى مدينتنا حيث الشتاء أقل حدة من شتاء القاهرة، لكن القلوب المعطوبة في المدن واحدة، سكن الشيخ يعقوب شقة الدور الثاني، واشتهر ببركته وبات الناس يطلبون رقيته مقابل مبلغ زهيد يقيم يومه.
الرجال في الشارع يؤمنون أن الشيخ يعقوب عاش حياة ثانية كان فيها ثريًا، وتتناثر الحكايات عنه في الكتاب بيني وبين الأولاد، أخبرهم أن للشيخ يعقوب يد سحرية تطيب جراح قلبي وتمسح الدمع عن عيني كلما ألم بي خطب أو زارني إحساسي الدائم بالفقد، ومع الوقت بدا لي الشيخ يعقوب كأنه يذبل في شقته، عصفورًا حرًا كان، والآن يجلس في قفص، أخبرني ذات يوم -وأنا أمد يدي إليه بالبخور والسجائر- أنه يكره الاستقرار، الشحاذون نبلاء في تشردهم والتشرد خلاص للأمل، والأمل قاتل للروح الضعيفة وروحه كانت ضعيفة. وهذا ما حكاه بالضبط أنه ولد في المدينة الكبيرة على الأرصفة ومصيره أن يموت هناك، يتذكر أمه كروحٍ ضائعة حرقتها الأيام ويتذكر أباه كطيفٍ شاحبٍ لم يعد لصورته أي معني.
كان يؤنسني بحكاياته عن الأيام الخوالي، لكن بعد اختفائه زادت المرارة في حلقي، أخذت أبحث عنه على المقاهي وفي دروب لم يسبق لي أن سلكتها، سألت جدي “سيعود” أخبرني: “رحل خفيفًا مثلما جاء”. جدتي تُحذرني من الخروج لقلب المدينة للبحث عنه، تنصحني: “صبي مثلك سيضيع حتمًا”. الناس الكبار يضيعون في المدن أيضًا، أراهم كل صباح حائرين، الشيخ يعقوب كان رجلًا كبيرًا ورغم ذلك ضاع، أكثر ما يخيفني أن أكبر فأضيع.
بالأمس رأيته في منامي، ناداني، وتبعته على الطريق الطويل، كان الندى يغرق الشوارع، والرصيف بارد، ناداني فتبعته وانطلق يغني:
“يا دنيا يا غرامي
يا دمعي يا ابتسامتي”.
واستلقى على الرصيف تحت عمود إنارة مكسور، نكس رأسه وغفا، وقبل أن يسقط تماما في النوم ناداني: “تذكرني!”
في الصباح استيقظت وبكيت بحرقة صبي ضاع منه شيء للأبد، وحين دخل جدي الغرفة نظر إلي، عانقني وأخبرني أن الضائع الأبدي وجد طريقه أخيرًا ورحل.