علب الصفيح المدمرة

بعدما هدأ الضجيج.. تلاشى أزيز الطائرات وانسحبت الأحذية الثقيلة بما تحمله من موت، تذكَّروا أنهم جوعى! فالخوف كثيرًا ما يُلهيهم عن الجوع؛ لكنه لا يُلغيه.

كأن الاثنين يتناوبان على حراستهم -الخوف والجوع-، الخوف يحرس ليلهم، والجوع يُحاصر نهارهم، وأحيانًا يجتمعان معًا في لحظة واحدة.

ومِن ثَمَّ تبدأ المهمة المعتادة، البحث عن شيء يُسكت العصافير التي تصرخ في بطونهم، ينبشون الأرض، يفتشون بين الركام، ويعودون لنفس الزاوية أكثر من مرة كأن معجزةً قد تهبط هناك. يبغضون رائحة الغبار المُلغم التي أنستهم رائحة الطعام! قرروا هذه المرة ألَّا يستسلموا لأوراق الشجر النصف خضراء، ولا يجربوا تذوق الزهور الذابلة.

قال أحدهم: “آه لو نجد خبزًا!” فلم يعودوا يحلمون بقطعة لحم أو شرائح بانيه أو إسباجيتي، نسوا حتى الأسماء بنكهتها ورائحتها! لكنهم لم ينسوا الخبز، وكيف ينسوه وهو الوحيد الذي يربِّت على جدران المعدة ويملأ فراغها.

ظلوا يبحثون كقطة جائعة تحوم حول المنازل، وفجأة لمح أحدهم شيئًا يتلألأ وسط الركام، قطعة صفيح منطفأة اللمعان؛ لكنها تشعُّ أملًا!

اقترب، تفحصها بعينيه وقال: معلبات! إنها تحمل طعامًا لا يُحب مذاقه؛ لكن معدته سترحب بها، والعصافير ستصمت.

أشار لأصدقائه وصرخ بأعلى صوتٍ: وجدتها! ربما في عالم الجوع الشعور بالآخرين ترف؛ لكنهم قرروا أن يتقاسموا الكنز -المعلبات- مع من تبقى من العائلة في ذلك المكان الذي بالكاد يشبه بيتًا!

عادوا راكضين منتصرين، رتبوا المائدة كما يليق بالنصر، بأنصاف أطباق مع ربع العائلة أو ما تبقى منها! أمسكوا العلبة بأصابع مشتاقة، فتحوها.. فانفجرت في وجوههم!

تناثر كل شيء، تكسَّرت الأطباق واختنقت المائدة.. كانت العلبة فخًا! وكان الجوع طريقًا إلى موتٍ آخر.

Previous Article

مراكز المساعدات.. ساحة الموت

Next Article

الباقة.. الاستراحة الأخيرة

Write a Comment

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨