“الفوضى الهمجية في لُباسها الخلَّاق، إنها أشدُّ التصاريف الكونية عبثًا في الكمال النهائي، الحرائق تشتعل في الأركان كلها، أدخنة تجتاح المدى، ليل غسقي مُبهم وسوداوي، حرب بعد حرب، صراعات لا معنى لها، وطبول الحرب تعزف أناشيدها الجنائزية على رُكام أجساد الموتى والمنسيين”. هكذا وصف الشاعر الراحل/ عبد الوهاب لاتينوس الحرب في بلاده وبلادنا الحبيبة السودان.
السودان أرضٌ عربيةٌ غنية بما لم يُوهَب لغيرها، وشعبٌ عظيمٌ له حظ من نقاء النفس ومرحها ووطنيتها، وأبت الظروف أن تحقق لهم ما يأملون من سبل العيش ورفاهيته، فلم يلبث الجيل الجديد هنيهة، إلا ولملم ما تبقَّىٰ من ذكرياته وانطلق بكل لحنٍ باكٍ ليجوب الأرض مشارقها ومغاربها؛ فارًا من قبضة أصحاب النفوذ والسلطة الذين مُكِّن لهم القوة والسلاح والقرار، فانطلقوا يبطشون بذويهم ويسفكون عرضهم ودمائهم بلا خجل أو استحياء!
“ذكريات تُلاحق الفتى”
ينشأ كلٌ منَّا على فطرة حب الوطن، ويُزرَع بداخلنا انتماءٌ للعشير والصحب، وأول حُلم نحلم به في صغرنا أن نُمسي كبارًا؛ لنجوب هنا وهناك ونحقق ما نطمح، ونبني ونعمر أرض بلادنا. ثم يكبر الفتى في السودان -وهو قدرٌ لا يختاره-، وتتغير الظروف ويبدأ الفصل الأكثر إيلامًا في حياته! أحلامه ظلت أحلام، وآماله تصادمت مع الواقع المرير، بلاده التي أحب أصبحت دمار، وعشيرته التي انتمى لها غادرت الديار، والصحب تفرق هنا وهناك، والحرب لا تنتهي ولا تفرق بين حي وجماد! وحالة البلد دمار في دمار.
هكذا الحال والحال صعب الوصف، بلاد منسيَّة بلا إمدادات ولا إسعافات ولا اجتماعات لوقف الحرب وحل المشكلة! نُسْيَت السودان وأصبح الموت فيها لا يُبالي له العالم ولا تتحرك له المؤسسات، هاجر السودانيون من أرضهم بعدما فقدوا كل عزيز، وتعرضوا للقتل والاغتصاب والعنف والتجريد على مرئى ومسمع من الجميع! والقتل ما زال مستمر، والأمراض تتفشَّى وتعم، والعنف يزداد سوءًا والحرب لا تنتهي.
ويظل يسأل الفتى عن ما اقترف من خطأ؛ ليُدرك أنه -فقط- كان يريد العيش المتواضع في بلاده، وأن يموت ميتة عادية لا ضحية من ضحايا الحرب بلا ذنب له أو قوة.
ويظل الفتى في السودان يُفكر في وطنه بينما تسيل دماؤه، لتكون آخر كلماته وهو ينظر إلى سمائها: “هل حقًا بعض البشر يستحق الإبادة والموت والهلاك، والبعض يستحق النعيم والتلذذ والاسترخاء!
هل كونك وُلِدت في بقعة من الأرض عن غيرها يحدد مدى تعاطف باقي البقع معك؟”
لتخرج آخر أنفاسه وهو ينظر إلى أرضه التي لا تعرفه ولا يعرفها، وإلى سماءٍ تغيَّر لونها، وإلى النيل الذي قُطِعَتْ شرايينه ليتحول شريان الحياة العذب إلى الأحمر الدامي!
ومات الفتى السوداني ولم يجبه أحد أو يبرر له سبب.
ليأتي دورنا نحن أبناء الإنسانية جيران البقعة الجغرافية لنُجيب عن تساؤلاته، وننصر من ظُلم ولو كان نصر الكلمة، وننشر بشاعة ما يحدث على أرضنا الغالية السودان، وندعو بأن يمنحها الله السلام، وأن ينعم شعبها بعيش هادئ مستقر، وأن يصفو نيلها الأحمر؛ ليعود من جديد شريان حياة الشعب ومصدر رخائه وقوته.