الفرار لدنيا الأحرار

عالمٌ يقدس القيود ويميل للتعقيد، صفته العنت والتكذيب، يحتوشه الجهل والكبر، وتهلك فيه نفوس الآمنين! داخل هذا العالم اتفق ذويه على كره الصدق وإلف النعم؛ لتنج منه يلزمك كسر قيدك، لتفر بروحك حتى ولو صارت الدنيا هي نفسك!

“الكِبر الذي قتل صاحبه”
مع بداية خلق الإنسان ووجود “سيدنا آدم” -أول الأنبياء على عالمنا ذا- وبدء نسله، أُبدعت أول الفتن على وجه الأرض؛ أن قتل الأخ أخيه! فنشبت قضية الغل والحسد والكراهية منذ قديم الأزل ورسخت في النفس البشرية؛ والتي كان مسببها الأساسي الشيطان الذي وسوس، فأوقع داخله كبرًا وحسدًا، فما وسعه إلا أن سولت له نفسه حِل نفس أخيه! فمات الأول بعزته، وعاش الآخر خائبًا بحسرته.

بالنظر إلى تدرج البشرية منذ ذلك الحين، تأصلت فيهم قضية السفه والجهل والعرقية الزائفة، فكانوا دائمًا ينظرون لمن دونهم -حسب وجهة نظرهم وما يعتقدون- من عَلٍ، نحن الصفوة، وهم السوقة والدهماء! فما بال ابن آدم وصل لتلك الحالة من غوائل وجرائر كثيرة ألمت به ورانت عليه، فما كان لهم إلا أن يذوقوا شتى صور العذاب الإلهي في الدنيا، لِما ساقهم الكبر والجهل به، وصدهم عن حقيقة الأمور وجريانها، وأن الحق أحق أن يتبع، وأن يسلموا للقاهر فوق عبادهﷻ، أولئك الذين ينطبق عليهم قول اللّٰه: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.

“صِلة عقل لا تنقطع!”
ومع تطور الأزمنة وتقدم ابن آدم.. ما زالت هذه النزعة الحمقاء تجري منه مجرى الدم! فما اعتاد إلا على العصيان والتمرد، تجد تشابه يلازم البشرية بقِدَمِهَا وحَدَاثَتِهَا، الملأ من القوم يسعوا للحفاظ على ديمومة الحماقة والسفه، غايتهم إماتة الحق، وأن تهب عواصف الباطل لتدمر ما ظل من حُسنٍ في عالمٍ لا خير لأحد فيه إلا لهم! يشوبهم الجزع والكره، وظنهم ألا بشر غيرهم، وأنهم أصحاب اليد العليا، حسبوا مُلك الدنيا وما فيها، ونسوا اللّٰهﷻ، وأن ما هم فيه من طرفٍ ليس من فضل اللّٰه عليهم، وإنما جاءوا به من عند أنفسهم، وللّٰه المثل الأعلى مالك الملك؛ {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}، بل يُملي لهم في طغيانهم وسفاهتهم ليذوقوا من العذاب أشده.

ما اختلف عصاة الحقب المنصرمة عن أيامنا هذه، إلا أنّي أظن أن لهم نسبًا فكريًا واحدًا اجتمعوا فيه على الضلال، فكان تعنتهم وإصرارهم على الكفرِ والعصيان، وركودهم الفكري والعقلي مَغَبَّته الهلاك، فلم يجدوا لأنفسهم سبيلًا للتفكير السليم والفهم لما جاء اللّٰه به بأمره، فاجتمعوا -كلهم- على مر الزمن على غباءٍ مُسْتَعِرٍ؛ تكذيبهم ما جاء به الرسل بل وقتلهم وتسفيههم! رغبوا قصور الدنيا مترفين ومنعمين، ولكنهم ما ملكوا إلا قصورًا في عقولهم وبصائرهم.

نتذكر قوم “سيدنا صالح”.. إذ بُعث فيهم رسولًا؛ فماذا فعلوا كعادتهم؟ أن كذبوه! وأخبروه إن تَخرُج من هذا الجبل ناقة سنؤمن بما أرسلت به؛ فجاءت معجزة اللّٰه بخروج الناقة من بين ثنيات الجبل وحجارته؛ فعقروا الناقة! فأخلفوا وعدهم ونقضوا عهدهم، فحاق بهم العذاب.

وقضية فرعون بإدعائه الربوبية، فلما جاء “سيدنا موسى” بمعجزاته أمام السحرة، وتحول عصاته إلى أفعى تلتهم ما جاء به السحرة؛ فهداهم اللّٰه وأسلموا، لعِلمِهم بسحرهم، وإنما هي معجزة لا يأتي بها بشرًا عاديًا، فسارعت فرعون كلماته -نابعة من صدر خائب خاسر- :{آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} ﴿١٢٣ الأعراف﴾، إصراره على كفره ورفضه للإيمان، وخوفه من أن يزول مُلكه؛ فما كان له إلا أن أُغرق وسط البحر ذليلًا، أمام قوة اللّٰه وعظمة قدرته.

“لا تُعَوَّل على الأسباب”
على الجانب الآخر، شاهد فعل الإيمان والنقاء، نبي اللّٰه “موسي” -عليه السلام-، مع تهدم الأسباب الدنيوية أمام قومه، ورؤيتهم البحر أمامهم، وجيش الفرعونية الطاغية من خلفهم ماذا قالوا حينئذ؟ {إنَّا لمدركون} ﴿٦١ الشعراء﴾؛ أرعبهم في مخيلتهم تهدم الأسباب، ونسوا من هو ربُ الأسباب، فجاء الرد الحكيم من نبي اللّٰه ورسوله الذي أدرك الإيمان، وثبت في قلبه واستعان باللّٰه، قائلاً: {قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} ﴿٦٢ الشعراء﴾؛ فشُقَ لهم البحر شقًا لينجو نبي اللّٰه بنفسه ومن معه، وأُغرق فرعون والملأ من بعدهم.
ولكن النفس البشرية السيئة رغم هذه المعجزات، قابلت كل هذا الفـضـل بالجهل وسوء الأدب مع اللّٰه! وكفرهم به وقد جاءهم الحق، وتعديهم على الذات الإلهية، ولنا في أيامنا هذه آيةٌ وحجةٌ عليهم.

“هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ”
أما الفئة التي لا تجد لها ملجئًا سوى اللّٰه، وفهموا معنى لا إله إلا اللّٰه حق فهمها، وأدركوا تفاهة الدنيا والذين نالوا من فضل اللّٰه، وإذا أصابهم ابتلاء واختبار، لم يسعهم سوى الصبر والرضا والاسترجاع، هؤلاء -حقًا- الذين إذا أحبهم اللّٰه ابتلاهم، ليميز اللّٓه الخبيث من الطيب. دومًا ما تجد أن فئة المؤمنين الممتثلين للأوامر والنواهي، بكل آيّ القرآن الكريم ما ذكروا إلا بقلة عددهم، فالقليل هم الشكور، وكان الذين أمنوا وسلكوا طريق الصالحات هم القلة أيضًا، فما بالنا نحن بكثرة الخبث وندرة الطيّب!

من قصص الصالحين التي داعبت ذاكرتي حاملةً بين طياتها عِبرات، كان “الإمام الشافعي” على الحفظ أقدر من غيره، فما لبث أن ينظر إلى الصفحة فيحفظ ما بها، وكان يغطي الصفحة الأخرى حتى لا يقع نظره عليها؛ فيحفظها! فكان سائرٌ مرةً فكشفت الرياح عن كعبِ امرأة، فوقع نظره عليه -بغير قصد-، فبعد حين لاحظ نقص قدرة حفظه، فلم تعد كسابقتها، فأخبر أستاذه “وكيع بن الجراح” بهذا، فأخبره أن يراجع نفسه إذا ما ارتكب ذنبًا ما، فما لبث أن تذكر وقوع عيناه على كعب تلك المرأة؛ دون قصدًا منه، فجاء بتلك الأبيات:
“شكوت إلى وكيعٍ سوء حفظي
فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نورٌ
ونور الله لا يهدى لعاصي”.
فالشاهد هنا، أنه تذكر ذنبًا فعله -دون قصدٍ منه- فعلم أنه مقصر في حق نفسه وحق ربه ووضع نفسه في دائرة العصاة، لمجرد ذنب نحسبه في يومنا هذا هينًا لا يُأبه له! فما بالُنا ونحن غارقون في بحارٍ من الذنوب والشهوات؛ ونريد أن تكون حياتنا سهلةً بلا صعابٍ وعثراتٍ مدعين على أنفسنا الكذب، أن هذه الابتلاءات ما هي إلا حبٌ من اللّٰه لنا، وأن اللّٰه إذا أحب عبدًا ابتلاه، أولم يجيئ ببالك أن ما أنت به من ضيق سببه لك ذنبًا اقترفته، أو شخصًا اغتبته، وخضت في عرضه، فعلينا مراجعة أنفسنا وتخليصها من خبثها وما بها من شوائب حملتها لنا رياح الرياء والعجب.
{لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ ۚ} ﴿٨ الأحزاب﴾؛ فأحسنوا صِدقًا يُحَسن إليكم…

أما آن شحذ هِممنا وعدولنا عن طريق الضلال الموحش، فما تلكم الحياة إلا دارٌ للاختبار، ومهما وقع لك من همٍ وأصابتك بلايا الغم، وغرقت في بحورٍ من الذنوب والمعاصي، فاِسع لاتباع الحق، فلن تجد لك مأوىً سوى اللّٰهﷻ، فإن غُلقت في وجهك أبواب الدنيا فأبواب اللّٰه مفتوحة لا تغلق. وتذكر قول اللّٰه: {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} ﴿٣٠ ص﴾.
فما أظن أن غروب شمس هذه الأمة إلا إذعانٌ بشروقها.

Previous Article

النيل الأحمر

Next Article

كم مرة مات جحا!

Write a Comment

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨