كم مرة مات جحا!

“سأل تيمورلنك -الطاغية المشهور- جحا: أين ترى يكون مثواي في الآخرة يا خوجة نصر الدين؟
فقال جحا ولم يتردد: وأين ترضى أن تكون، إن لم تكن مع جنكيزخان والإسكندر وفرعون والنمروذ؟” -من كتاب جحا الضاحك المضحك للعقاد-
يُقال: “ودنك منين يا جحا؟” لمن يترك الممهد السهل الموصل، ويأخذ البعيد برغبته الحرة، وإن كان هذا المثل قد يعم على جمع، فأعتقد أننا أولى به، من أهل جحا وموطنه، لأننا نبحث عن كل طريق إلا الواضح أمامنا، ونأخذ ألف مختصر بحجة أنه أيسر وأسرع لكننا نخرج منهم على النقطة التي بدأنا منها.

جحا الذي يركب حمارًا وسمعنا عنه من قصص الصغر، وعرف كرمز للهزل المغلف بالحكمة، اختلفوا عليه في النسب والاسم والبلد، فقالوا أنه تركي الأصل واسمه “نصر الدين خوجة” وقالوا أنه “أبو الغصن دُجين الفزاري” العربي الأموي، وحكت عنه إيران وبلغاريا وأرمينيا ومالطا وغيرهم واختلفوا فيه، إلا أن الصفة المشتركة الثابتة بين كل جحا هو أنه الساخر.. الحكيم أحيانًا، أو المتباله بقميص الحماقة.
والواضح من هذا الاختلاف في النسب والحكايات أنه كانت هناك شخصيات تظهر في هذه الثقافات تمثل جحا، أي تأخذ من صفته الثابتة والأساسية باسم ونسب وموطن جديد، وأجمع البعض أن جحا كان يظهر بسخريته هذه في عوالم كان يسود فيها الطغيان وربطوا ظهوره بأبرز أعلام الظلم.

ثم قالو أن جحا مات! وباتت حكاياته نوادر من الذكاء والحكمة والحماقة، ونسب له ما لم يعشه، كأنه عَلّاقة ساخرة، عليها كل طاقة مكبوتة من ضحك وهم وألم. وعندما فرغوا من هذا وكسرت عَلّاقة جحا، كان على هذا العالم الذي لم يمت فيه أي سواد أن يلد جحا جديدًا.

كانت السخرية هي عصا جحا السحرية، كان فطن في استخدامها، كذلك يمكن أن نقول على كتاب الأدب الذين سخروا من العالم أو من الجور أو من حتى القصص المثالية في الحب، أنهم عرفوا هذه العصا، وبعدها عرفتها الجرائد في رسومات الكاريكاتير وعرفها الراديو والتلفزيون بموادهم التي سكنت كل بيت، بهذا ضحك الناس على آلامهم عبر مونولوج يقدمه كوميديان لا تفارق ضحكته مأساته، ورأى البعض فيها وسيلة للهروب من واقع، ورأى آخرون فيها أمل المواجهة، فبدلًا من أن يقفوا يمنعهم البطش من التغيير عبروا عن يأسهم بالسخرية.

فكأن لكل عصرٍ جحاه، حتى وإن لم يظهر شخصًا بعينه بصفاته المشتركة التي ذكرتها، لكنه تحول لحالة، لأسلوب يمتزج فيه حكمة وتنكيت وبلاهة، وأضيف لهم في معظم الأحيان الألم. روحه بعثت اليوم للحياة في شكل كوميكس وميمز ومواد ساخرة لكنها على أرض افتراضية، لا تمشي بحمارٍ وتركبه بالعكس. عبرنا بهذه المواد عن كل شيء -وأقصد التعميم-، ويمكن لكل من يملك -أو يظن أنه يملك- حسًا فكاهيًا أن يصنعها، وتحولت لطريقة حتى في أرض الواقع للحكي، بل لأسلوب حياة للبعض صفته الهروب.

حتى قبل أيام جحا كانت السخرية وسيلة للتعبير، منذ قدامى أهل مصر ونقوشهم التي سخرت من الحكام، فكانت هي وسيلة لعلو الصوت، والإشارة للنقاط السوداء في حاضر الموجود وتاريخ السابقين، وربما ليومنا هذا تلعب جزء من هذا الدور، ولا أنفي أنها تمنح قدرة للرفض ومساحة للرأي. لكن عرف الجانب الأسود -الذي كان محط هبوط السخرية- قدرة عصا جحا، ولم يمنعه مانع من استخدامها هو الآخر، فتحولت هذه الوسيلة لسلاح دفاع وهجوم يملكه الجانبان.

والإشكال هنا يظهر عندما نسأل كيف يُستقبل جحا في حاضرنا؟
البحث عن الضحك في مثل هذه المواد هو ما قد يضحي بالمعنى والمضمون، فقد تعبر هذه المواد عن ألم وحسرة فنتركهم وننتظر المضحك الذي بذلنا تجاه كل هذا الجد، فيمكن أن نقول أن جحا العصر قد فقد صفة أساسية من صفاته، هي الحكمة التي كانت تتبع معظم نوادره. وبهذا يمكن القول أننا أمام ضياع لكل القيم والمعاني إذا ما عبر عنها في “ميم”، وأمام تقبل أي شيء إذا ما لبس صفة “الكوميك”، مع الانتشار التكراري يضيع الأول ويرسخ الثاني، لأننا نبحث عن شيء آخر، عن هروب أو حياة تكتمل افتراضيتها، وهذا ما يحول السخرية من طريقة للرفض إلى سبيل للهرب من المواجهة.

يرددون: “يولد المصري وفي قلبه ورقة بردي مكتوب عليها بحروف ذهبية: “إن السخرية هي المنقذ من اليأس”. -من افتاتحية رواية “المصرية” جيلبرت سينويه-

على عادتنا هذه من زمن، لكن كان يأتي لهذا القنوط حد، ويواجه بالفأس الذي ضرب في رأس عسكري بريطاني في حقول الدلتا، أو بالأصبع الذي تحدى العبودية، من زمن ونحن شعب “ابن نكتة” وربما لو اجتهد الباحثين في التاريخ لتوصلوا لأن أصل “جحا” مصري مأصل، لمَّ لا؟ لكن كنا في وقت ما يلزم فيه إدراك معاني مثل التضحية والكفاح وقوة قول “لا!” نقول: لا! لم تصل بنا السخرية لحد إنكار القيمة أو لحد الوقوف على أعتاب الخضوع والهوان نضحك على نكتة الطيور التي غادرت القفص. ينقصنا “لا!” نقولها مدركين أنها أمل.. حتى وإن لم يكن اليوم.

“ملعون يا داء البكم.. ملعون يا طول البال” -أحمد فؤاد نجم-.

Previous Article

الفرار لدنيا الأحرار

Next Article

خبايا الذاكرة: نسيان وأكاذيب

Write a Comment

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨