صلاة بدون يقين

منذ فترة وقدرها، عندما كان الخط الفاصل بين الحقيقة والخرافة رفيعًا جدًا، وفي قرية مصرية تعكس كيف يمكن للقلق والخوف من المجهول أن يغيروا نفوس البشر وحتى ملامحهم، حيث كانت الخرافات جزءًا لا يتجزأ من حياة الناس وتفكيرهم؛ مما دفعني للتساؤل: لو كنت أعيش في تلك الفترة، هل كنت سأصدق كل ما يُقال؟ أم كنت سأقف في صف الشك؟

في نادي القراءة الخاص بلجنة الصحافة في الجريدة، -وهو حدث نختار فيه كتابًا لقراءته ومناقشته-، وقع الاختيار على رواية “صلاة القلق” للكاتب المصري “محمد سمير ندا”. تبدأ الرواية بحدثٍ غريب، في عام (1977) يسقط على القرية جسم غامض نيزك أو قمر صناعي، يتبعه وباء غريب يشوه في ملامح السكان ويحول رؤوسهم إلى رؤوس سلاحف، وتظهر خطاياهم مكتوبة على جدران البيوت.

في البداية.. شعرت بالملل إذ لم أفهم سوى القليل مما أقرأ؛ ولكن مع الاستمرار تنكشف الصورة تدريجيًا، حيث تُروى القصة عبر ثمانٍ شخصيات مختلفة؛ لبناء صورة تكتمل مع كل صوت جديد.

اختار الكاتب قرية “نجع المناسي” الخيالية ليجعلنا نعيش على حدودٍ وهمية، وتكون مسرحًا لتحول رمزي مرعب، جعلتني أطرح الكثير من الأسئلة: ما الذي تعنيه تحولات الوجوه؟ وكيف يمكن للرواية أن تلتقط تفاصيل القلق الذي نعيشه دون أن تمنحنا أي إجابة؟ شعرت وكأنني أقرأ أزمة تمتد لتشمل صراعات بعض البشر مع أنفسهم ومع مجتمعهم، وواقعهم الذي يفرض عليهم العيش في ظل أوهام الحرب والنصر.

أثناء القراءة.. كنت أرى في كل شخصية تجسيدًا لجزء من القلق، في رحلةٍ يبحثون فيها عن المعنى، و في عالمٍ لا يقدم أي إجابات. ومع كل شخصية يزيد فضولي لأسمع وجهة نظر الشخصية الأخرى وهذا ما يميز الرواية؛ إذ تتشكَّل الحقيقة بأكثر من زاوية فيكتمل المشهد، ويصبح التعاطف والحكم أكثر عمقًا.

ويمكن تفسير هذا التحول من مجرد وباء غامض إلى رمزٍ لحالة الاستبداد التي عاشتها تلك القرية، وقد نجح الكاتب في تصوير كيف يمكن للواقع السياسي أن يكسر روح الجماعة، ويحول البشر إلى مجرد كائنات تخاف حتى من ملامحها؛ ليكون “القلق” هنا هو النتيجة الطبيعية للعيش في مجتمع لا يملك فيه الفرد حق معرفة مصيره.

واللافت في بناء الرواية أن الكاتب يفصل بين الفصول بمقاطع من أغنيات لعبد الحليم حافظ، وكأن هذه المقاطع تعمل كاستراحة فاصلة بين الشخصيات. وبذكر الشخصيات لفتني أيضًا الطفل “حكيم” له حضور هادئ ومختلف؛ على الرغم من كراهية الجميع لوالده، إلا أن حكيم شخصية محاطة بالتعاطف، وكأن براءته تنجح في الفصل بينه وبين خطايا أبيه، حكيم هو الشخصية الوحيدة التي لم يصبها القلق، ولم يتساقط شعره مثل الآخرين، كأنه يعيش في عالم موازي، بعيدًا عن العدوى النفسية التي أصابت القرية، نجده منغمسًا في عالمه الخاص، يستمع إلى الراديو، يقرأ الكتب ويكتب في هدوء، دون محاولة لتفسير ما يحدث من حوله.

كانت “صلاة القلق” تجربة فكرية ونفسية مكثفة، تعكس إبداع وبراعة الكاتب في تصوير المشاهد، أدهشني أسلوب السرد ودقة الوصف واهتمامه بالتفاصيل التي تجعلك في لحظة تنغمس في زمن الرواية، وأحيانًا تدفعك صفحاتها إلى إعادة التفكير في كل ما حولك. تعقيبي الوحيد -من وجهة نظري- قد تبدو الرواية ثقيلة وصعبة، بسبب الكثافة الرمزية العالية التي تتطلب من القارئ جهدًا مضاعفًا، فرغم جمالها تأتي بتكلفة وتباطؤ في السرد، فالكاتب يغوص داخل المشهد لدرجة قد يشعر معها القارئ بأنه انفصل عن الحبكة.

ولعل براعة الوصف ظهرت في مشهد الحكاية -التي ترويها جدة الراوي- استوقفتني في ظاهرها؛ لكنها مشبعة بالخيال والدلالة: “بلغ الصبيُّ أعلى غيمةٍ يدركها البصر يا نوح، زرع في جوفها بذور الحلبة، وجعل يحاول أن يحيط عرش الرحمن ببصره، راح ينادي ويدعو تارة، ويناجي طيورًا غريبة الهيئة لا يعرفها أهل الأرض تارةً أخرى، آمن بأنَّ الطيور ملائكة العرش، وبأن غيمته إلى صعود مستمر؛ لكنَّ الغيمة أنبتت زرعًا تنامى حتى أثقلها، فغدت تنخفض صبيحة كل يوم مقتربةً من الأرض، حتى أفاق الناس ذات يوم فوجدوا غيمةً خضراء وقد استقرَّت في غيط البرسيم!”.

  • التقييم: (8/10).
Previous Article

الثورة الصناعية من الميكنة إلى الإنسان الآلي

Next Article

سفيرنا إلى الوعي الإنساني إدوارد سعيد

Write a Comment

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨