“إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يُعلى عليه”، جاء هذا الوصف البديع على لسان الوليد بن المغيرة، أحد مشركي قريش. {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} [الجن:1] ووصفه الجن عند استماعه بالعجب! فها هي رحلة القرآن من النزول إلى التدوين.
“نزول الوحي”
{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}، منذ أكثر من (1437) عامًا هبط جبريل -عليه السلام- على رسولنا محمد -ﷺ- لأول مرة في غار حراء بمكة المكرمة، في ليلة القدر من شهر رمضان، عندما كان عمره (40) عامًا، وكانت الآيات الأولى {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}، رسالة صريحة وواضحة أن العلم الذي هبط على محمد جاء مبددًا لظلام وجهل الوثن، حقٌ جاء يبدد باطل، ونور يقشع ظلام.
“بِبَكَّةَ مُبَارَكًا”
“قولوا لا إله إلا الله تفلحوا” محمد -ﷺ-، ذلك الحديث كان طوق النجاة لمن أراد أن يخرج عن عبادة الأوثان إلى عبادة رب واحد لا شريك له في ملكه، وأن كلامه دستور للأمة حوى ما سلف وما سيأتي. خمس وثمانون سورة نزلت بمكة، واختلف بعض أهل العلم في كونهم (81) سورة أو (86)؛ ولكن اتفقوا على أن كل هذه السور جاءت تدعو الناس للتوحيد والإيمان باليوم الآخر والرب الواحد، حتى شرع الله لرسوله الهجرة من مكة إلى المدينة المنورة، فكانت مرحلة جديدة في مسيرة الدعوة.
“مرحلة جديدة”
وفي المدينة بدأ فصلٌ جديد من سيرة الدعوة؛ فهي دار هجرة النبي -ﷺ-، وحاضنة الإسلام الأولى بعد أن أُعرض عنه في مكة، فآوته ونصرته، فكانت خير مستضيف لخير ضيف. أحبّها -ﷺ- حبًّا صريحًا، فدعا: “اللهم حبّب إلينا المدينة كحبّنا مكة أو أشد”، وتمتاز الآيات التي نزلت على النبي -ﷺ- في المدينة بطابعها التشريعي والتنظيمي، فهي تهدف إلى تنظيم حياة المسلمين في مجتمعهم الجديد بعد الهجرة. بخلاف الآيات المكية، التي ركزت على العقيدة، التوحيد والدعوة الصبورة وسط أجواء الاضطهاد، ونزل في المدينة سور مثل: البقرة، آل عمران، النساء، التوبة، النور وغيرهم.
“الناسخ والمنسوخ”
{مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106]
نزلت آياتٌ على رسولِ الله -ﷺ- ثم شاء الله أن يُنسخَ بعضها، لحكمةٍ يَعلمها، وتدبيرٍ يُحكمه، وليس النسخُ نقصًا ولا تبديلًا عن عجز، وإنما هو انتقالٌ من حكمٍ إلى حكمٍ أصلحَ للمرحلة، وأقومَ بحال الناس، وقد تنوَّعت أحوال النسخ: فمن الآيات ما نُسخت تلاوتُها وبقي حُكمُها معمولًا به، كآيةِ الرجم، ومنها ما بقي لفظُه يُتلى في كتاب الله، لكن نُسخ حكمُه، كآياتٍ في سورة البقرة جاءت لحالٍ مخصوصة، ثم أبدلها الله بحكمٍ آخر، ومنها ما نُسخ لفظُه وحكمُه معًا. ويبقى في ذلك وعدُ الله: أن ما يُنسَخ يأتي خيرٌ منه، والله على كل شيء قدير.
“رحلة المصحف”
أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق -رضي الله عنهم- بجمع القرآن في مصحفٍ واحد -بعد أحداث حروب الردة-، فجمعه زيد بن ثابت -رضي الله عنه- وأبقى المصحف في بيت أم المؤمنين حفصة بنت عمر -رضي الله عنها-، وبهذا حفظ الله كتابه من التحريف والضياع، وفي عهد “عثمان بن عفان” -رضي الله عنه- دخل كثير من العجم -من ليس عربيًا- لدين الإسلام، فوَّحدهم أمير المؤمنين عثمان على لسانٍ واحد، وهو لسان قريش، وعلى مصحف واحد كان قد نسخه من مصحف أبي بكر، وسُمِيَ بمصحف عثمان، ومع مرور الوقت، وقع كثير من العجم في معضلة التفريق بين حروف القرآن بسبب تشابه بعض الحروف؛ فأمر “الحجاج بن يوسف الثقفي” -من العصر الأموي- بتنقيط المصحف، وبهذا أضاف إلى نفسه شرفٌ -وفقه الله له- ليحفظ للناس كتابهم.
“فتنة خلق القرآن”
قال “علي بن المديني” أحد رواة الحديث: “إن الله أيد هذا الدين برجلين لا ثالث لهما، أبو بكر الصديق يوم الردة وأحمد بن حنبل يوم المحنة”. [مناقب الإمام أحمد صـ ١٤٨]. في العصر العباسي، وتحديدًا في المرحلة التي تعاقب فيها على الخلافة المأمون ثم المعتصم ثم الواثق، تبنوا رأي المعتزلة في أن القرآن خلق من خلق الله، ودارات أحداث عظام تصدى لها الإمام “أحمد بن حنبل” بثبات عقل وحجة قول، ليحفظ لكلام الله حُرمته، كي لا يدرجه المعتزلة تحت بَند الخلق، والخلق يؤول فيهم، إلا أن كلام الله لا يؤول.
وهكذا بقي القرآن، نور في صدور من أراد النور، وهداية لمن ضل، وأمان لمن فزع، وحجة لا تسقط، وحق يعلو ولا يُعلى عليه.