اعتادنا أن الأمثال تأتي في المواقف لتهدأ من حدتها وتأخذها لمنحنى إيجابي، فمثلًا تتأخر على موعد مهم بالنسبة لك فتجد من يقول لك “كل تأخيرة وفيها خيرة”؛ فتهدأ وتقل لعله خير، تحدث مشكلة بينك وبين عزيز عليك فتجد من يواسيك ويقول لك: “تبات نار تصبح رماد”، فتطمئن وتشعر بأنَّ هناك أمل بأن تصبح الأمور على ما يرام، تجلس بمفردك ليلًا تفكر وتجد الهموم ثقُلت عليك فتخرج منك همهمات بكلمتين: “الصباح رباح”، فتشعر أن بالصباح سيظهر حل لكل تلك الهموم وتهدأ وتجد نفسك قد نمت بالفعل!
لكن الحقيقة في هذه المرة -وعلى غير المعتاد- سمعت المثل ولم يهدأ بالي ولم أرتح ولم أرَ ولو بصيص بعيد من الأمل؛ بل لم أستوعب أن هذا المثل يُقال في مثل ذاك الموقف! ويُقال على سبيل المزاح في أشد المواقف أهمية وجدية!
كلماتٌ نزلت على أذنَيْ وأنا أتعجب.. هل ما أسمعه صحيح؟ لحظة.. هل غفلت عيناي قليلًا واستيقظت والحديث أصبح عن موضوعٍ آخر؟
“كلام الليل مدهون بالزبدة” ذاك المثل الذي لم أستطع أن أتقبله ليس لذاته؛ بل لأنه قيل في موقف لا يحتمل المزاح ولا يحتمل أن نقلل من شأنه ونأخذه على سبيل الإضحاك!
صراحةً هو لم يُقال على سبيل الإضحاك فقط؛ بل الأسوأ أن غرضه كان الهروب.. الهروب من المسؤولية!
التخلي عن المسؤولية التي فوق العاتق لها أشكال عدة؛ ولكن صراحةً كانت المرة الأولى لي أرى فيها الهروب بهذا الشكل!
هل أصبحت تؤخذ الأمثال الشعبية كوسيلة للهروب؟ وسيلة لعدم إعطاء الآخرين حقهم؟
ولا يوجد أسوأ من الهروب من المسؤولية والواجب الذي يجب أن تقوم به في حياتك! والذي سوف نُسأل عنه جميعًا أمام الله.
عدتُ للمنزل وقولت لا والله لن أترك عقلي يُجن جنونه؛ وبدأت البحث في موضوع الأمثال الشعبية؛ إلى أن وجدت باحثًا في جامعة الأزهر بقسم الثقافة الإسلامية بكلية الدعوة قام ببحث تحت عنوان “الأمثال الشعبية المصرية وأثرها على المجتمع” وكان فيه يشير الباحث إلى أن الاستعانة بالأمثال إما لتوضيح الفكرة، أو لتقريب المعنى، أو للدفاع عن رأي، أو للاستشهاد بموقف، وتوصل لعدة نتائج، منها: “أن الأمثال الشعبية تقرب المراد للعقل فهي تصور المعقول بصورة المحسوس”.
فلم اهدأ بعد ذلك حتى.. ولماذا؟ لأنني لم أجده يقول أن الأمثال تؤخذ للهروب، ووجدت أن المثل يُعرَّف على أنه جملة مصقولة، وللأسف حتى في ذاك الموقف عقلي لم يرى أي معقول ولم يتصوره بصورة المحسوس!! حتى الأمثال لها مسؤولية ودور تقوم به؛ في حين أن بعض البشر لم يستطيعوا تحمُّل المسؤولية التي عليهم.
جميعنا لدينا مسؤوليات حتى منذ أن كنا صغار متمثلةً في واجبنا المدرسي أو حتى عدم العودة بـ “سندوتشات المدرسة” دون أكلها، وكبرنا وكبرت معنا مسؤولياتنا في كل مرحلةٍ دخلناها، وأرى أننا إذا وُضِعنا في مسؤولية معينة يجب أن نتحملها وألا نتهرب منها بشكلٍ أو بـ آخر والاسوأ أن نستخدم أسلوب المزاح للهرب، إذا لم نستطع فعل شيء من واجبنا، أن نعترف.. ونقل أننا لم نستطع فعل ما وعدنا به لأسباب وهي كذا وكذا، والله أن الاسوأ من التخلي عن المسؤولية هو التعود على ذلك وأنه أمرٌ عادي.. لدرجة أنني سأتمكن الهروب من هذا المأزق بقول مثل!
تعددت توصيات رسول الله على المسؤولية؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه، أحفِظَ أم ضيَّع، حتى يُسأل الرجل عن أهل بيته”
وإذا ذكرنا المسؤولية.. ذكرنا سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقرأت عن موقف لسيدنا عمر بن الخطاب كان في سنة (١٨) من الهجرة، وأصاب شبه الجزيرة العربية قحط وجفاف شديد لدرجة أن الأرض اسودت من كثرة الجفاف وأصبحت رمادًا؛ لذا سُميَ ذاك العام بـ “عام الرمادة” ولكن سيدنا عمر بن الخطاب أظهر أبهى صور المسؤولية؛ فامتنع هو عن أكل اللحم والسمن طوال فترة الأزمة ولم ينظر لنفسه بصورة من الأنانية، ولم يقف مكتوف الأيدي؛ فأرسل لولاة الأمصار يطلب إرسال مؤن لمساعدة أهل المدينة والمناطق المتضررة؛ ورغم ذلك كان يرى نفسه مقصرًا.
ولم ينتهي إحساس سيدنا عمر بن الخطاب بالمسؤولية إلى هنا، فوجدت أنه كان في عام الرمادة يأكل الخبز والزيت، وفي يوم ذبحوا ذبيحة وأطعموا بها الناس، وأتى له أحد وأعطاه من الكبد وجزء من الذبيحة، فقال لهم ما هذا واستاء، ولما قالوا له إنه من ذبيحة اليوم قال لهم: “بَخ بَخ ، بِئْسَ الوالي أَنا إِنْ أَكلتُ طَيِّبَهَا وَأَطعَمتُ الناس كراديسها ، ارفع هذه الْجَفْنَةَ ، هَاتِ لنا غير هذا الطعام” وبالفعل أخذ يأكل من الخبز والزيت الذي جلبوه له، فكان عمر بن الخطاب يفضل قومه عليه ويرى مسؤوليته تجاههم قبل كل شيء.
وهنا تظهر أبهى وأعظم صور المسؤولية، التي حثنا الإسلام عليها ورأيناها من الصحابة في أشد المواقف صعوبة.
“المسؤولية ليست ثقلاً يُحمل، بل شرفٌ يُؤدى”
ولا أنكر أن الأمثال الشعبية مؤثرة حقًا وتخفي وراء بلاغتها العامية بعض الحِكم؛ لكن إذا وُضعت في مكانها وقيلت في وقتها الصحيح، وأجد كثير من الأمثال تعبر عن مواقف عدة؛ بل تجيد التعبير والتنبيه، مثل: “إن كان حبيبك عسل ما تلحسوش كله”، ولو كان حقًا حبيبك معطاء لا تفرط في استغلاله، وتهرب من مسؤوليتك تجاهه بمثلٍ!