من جزر معزولة إلى شعوب آسيا.. كيف وصل الإسلام إلى أبعد بقاع الأرض؟

في أقصى الحدود الشرقية لهذا الامتداد الإسلامي الواسع في قلب آسيا، وعلى الحافة الغربية لدولة الصين، تقع “تركستان الشرقية”، وهو الاسم التاريخي للإقليم الذي تطلق عليه الصين اليوم اسم “شينجيانغ”، موطن مسلمي الإيغور.

دخلها الإسلام تدريجيًا عبر التجارة والدعوة، حتى جاءت اللحظة الفاصلة عام (323هـ/934م)، حين اعتنق حاكمها “ساتوق بغرا خان” الإسلام، فتبعه أبناء قبيلته، وتوالت موجات الدخول لتتحول المنطقة إلى امتداد إسلامي – تركي ازدهر لأكثر من ألف عام.

غير أن هذا الحضور الممتد لعشرة قرون كان لا بد أن يواجه أقسى اختباراته في القرن العشرين، حين سقطت المنطقة تحت قبضة دولة شيوعية جديدة لا تعترف بالدين، لتبدأ فصول من محاولات الطمس المتعمد لهوية أبنائها الدينية، لا تزال تتكشف تفاصيلها حتى اليوم.

“مسلمو الإيغور”
في يوم (1) أكتوبر من عام (1949) أعلن زعيم الحزب الشيوعي الصيني “ماو تسي تونغ” تأسيس جمهورية الصين الشعبية، وضم منطقة تركستان الشرقية للجمهورية الوليدة بالقوة وأطلق عليها الاسم الصيني “شنغيانغ”، ومنذ ذلك الوقت تعمل الصين على طمس كافة المظاهر الإسلامية في تركستان الشرقية.

تُرجم الطمس إلى احتجاز ما بين مليون ومليون و(800) ألف من الإيغور -حسب تقديرات حقوقية دولية- في معسكرات اعتقال تحت مسمى “مراكز التدريب المهني”، كما أطلقت الحكومة الصينية في أكتوبر (2018) حملة ضد منتجات الحلال في أرومتشي -عاصمة إقليم شينجيانغ- بحجة مواجهة التطرف.

وكشف تقرير للمعهد الأسترالي للسياسة الاستراتيجية عن إلحاق أضرار بنحو (16) ألف مسجد في الإقليم منذ عام (2016)، من بينها (8500) مسجد دُمّر بالكامل، وصولًا إلى حملات القبض التي طالت النساء الملتزمات بالحجاب الشرعي.

ولم يكن هذا الاضطهاد الممنهج مجرد سياسات إدارية جافة، بل ترك خلفه مجازر موثقة دفع فيها الإيغور ثمنًا بشريًا فادحًا؛ ففي أحداث أورومتشي في يوليو (2009)، أعلنت السلطات الصينية مقتل (197) شخصًا وإصابة أكثر من (1700)، وفي (2013)، تكررت المواجهات الدامية في الإقليم؛ فسجلت منظمة حقوقية، وفق ما نقلته الجزيرة، مقتل حوالي (220) شخصًا. ثم تصاعدت وتيرة العنف في (2014)، إذ قُتل حول (450) شخصًا. وبسبب الرقابة الشديدة التي تفرضها السلطات الصينية على المعلومات، والقيود المفروضة على الصحفيين والباحثين، تظل الحصيلة الفعلية للضحايا عصية على الحصر الدقيق.

ويتزامن هذا القمع الدموي مع ممارسات أشد قسوة تتمثل في الإبادة البيولوجية البطيئة من خلال التعقيم والإجهاض القسري للنساء، إضافة إلى الوفاة تحت وطأة التعذيب والإهمال الطبي المتعمد داخل السجون، في ظل نفي مستمر من بكين وتأكيد حقوقي ودولي واسع لهذه الجرائم.

وإذا كانت محنة الإيغور تمثل إحدى نماذج “الإبادة الصامتة”، فإن الذاكرة البشرية لا تزال تحتفظ بنماذج أكثر دموية للإبادات العسكرية المباشرة التي وقف أمامها المجتمع الدولي عاجزًا، وعلى رأسها مأساة “البوسنة والهرسك”.

“البوسنة والهرسك”
تقع البوسنة والهرسك في منطقة البلقان -جنوب شرق أوروبا-، عند ملتقى طرق تاريخي بين وسط أوروبا الوسطى والعالم العثماني. ومنذ القرن الخامس عشر، ارتبط تاريخها بالإمبراطورية العثمانية، التي بسطت سيطرتها على مملكة البوسنة عام (1463)، ومنذ ذلك الحين بدأ الإسلام ينتشر في المنطقة تدريجيًا على مدى أجيال، حتى أصبح المسلمون مكوّنًا أساسيًا من تركيبتها السكانية.

وبحلول القرن العشرين، كانت البوسنة والهرسك مجتمعًا متعدد الأديان والأعراق، يضم البوشناق المسلمين والصرب الأرثوذكس والكروات الكاثوليك، إلى جانب جماعات أخرى. وبعد تفكك يوغوسلافيا وتصاعد النزعات القومية، أعلنت البوسنة والهرسك استقلالها عام (1992)، لتدخل واحدة من أكثر الحروب دموية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية؛ حربًا لم يكن الصراع فيها على الأرض والسلطة وحدهما، بل امتد إلى الهوية والوجود نفسه.

“الحرب والإبادة”
بين عامي (1992) و(1995)، قُتل نحو (100) ألف شخص خلال الحرب في البوسنة والهرسك، وفي يوليو (1995)، ارتكبت قوات صرب البوسنة إبادة جماعية في سريبرينيتسا، التي كانت قد أعلنتها الأمم المتحدة “منطقة آمنة”، فقتلت نحو (8) آلاف رجل وفتى مسلم بوسني؛ فيما عُرفت لاحقًا بـ”مجزرة سريبرينيتسا”.

وانتهت الحرب باتفاق دايتون للسلام عام (1995)، الذي أوقف القتال وأعاد رسم الترتيبات السياسية في البلاد، لكنه أبقى على بنية سياسية معقدة، وُصفت بأنها جمّدت الانقسامات بدلًا من حلولٍ فعلية.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود، لا تزال سريبرينيتسا حاضرة في السياسة الصربية والبوسنية؛ إذ يستمر إنكار الإبادة أو التقليل من شأنها في أوساط سياسية وقومية في صربيا وجمهورية صرب البوسنة. ويبرز في هذا السياق ألكسندر فوتشيتش، الرئيس الصربي الحالي، الذي كان عام (1995) نائبًا في البرلمان وعضوًا في الحزب الراديكالي الصربي. وفي (20) يوليو (1995)، وبعد أيام من سقوط سريبرينيتسا، قال فوتشيتش أمام البرلمان الصربي: «مقابل كل صربي يُقتل، سنقتل 100 مسلم».

وفي ختام هذه الرحلة، يتضح أن حضور الإسلام حول العالم لم يكن حكاية مكانٍ واحد، ولا تجربة شعبٍ بعينه، بل مسارًا طويلًا امتد عبر قرون، حملته أممٌ مختلفة، فأنشأت به حضارات، وحفظت تعاليمه، وجعلته جزءًا من ثقافتها وذاكرتها. واليوم، يبلغ عدد المسلمين أكثر من ملياري إنسان، يعيشون في مختلف قارات العالم، من إندونيسيا وباكستان وبنغلاديش وتركيا، مرورًا بالمجتمعات المسلمة في أفريقيا وأوروبا والأمريكيتين، وصولًا إلى غزة الجريحة والسودان المنكوب. وبين قصص البناء والعلم، وقصص الألم، تبقى هذه الرحلة شاهدًا على تاريخٍ طويل ترك فيه الإسلام أثرًا عميقًا في حياة الملايين.

Previous Article

خارج أسوار الجامعة

Next Article

مكسيم غوركي أديب الإنسانية والوجة الآخر للألم

Write a Comment

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨