مكسيم غوركي أديب الإنسانية والوجة الآخر للألم

«إنني لا أصف البؤس كي أثير الشفقة؛ بل كي أوقظ في القارئ كراهية له؛ فالشعور بالشفقة لا يغير العالم، أما الشعور بالكراهية للظلم فهو بذرة ثورة».
أليكسي مكسيموفيتش بيشكوف.. أحد أشهر الأدباء والروائيين والسياسيين الروس، ومؤسس مدرسة الواقعية الاشتراكية في الأدب.

“طفولة بلا مأوى”
ولد في 28 مارس عام 1868، عُرِفَ باسم «مكسيم غوركي»، “مكسيم” هو اسم والده الراحل، الحرفي المكافح، تخليدًا وتكريمًا لذكراه، الذي توفي بينما كان أديبنا مايزال طفلًا صغيرًا، ومن هنا بدأت المعاناة؛ حيثُ تعين عليه أن يغوص إلى أعماق الحياة وحضيض الدنيا، ولم يكن العمل اليدوى المرهق أو الألم هو المشكلة؛ بل كانت البطالة المُطبِقة ومعاناة الجوع والتعرض للضرب والإهانة في سنوات صباه المريرة.
أما “غوركي” فتعني في الروسية “المُر”، تأكيدًا لمعاناته، وعكسًا لمرارة الحياة والصعوبات التي واجهها في بداياته والتي طبَّعت وشكَّلت أسلوبه الأدبي.

“تآكل الروح”
إن شعور المرارة من الإهانة من أبرز المشاعر الطاغية التي تطورت داخل غوركي منذ الصبا والشباب.
أدرك كيف يستولي الحقد الوحشي على الناس في حين استطاعتهم أن يغدوا نسخة أفضل في ظروفٍ أخرى، يبدو اعترافًا مبكرًا منه بأن “الإنسان ابن بيئته وظروفه”. وفي هذه المعاناة أدرك غوركي كيف تُقهَر إرادة الناس وكيف تشوَّه ملامحهم الإنسانية.

“لا معنى للاستسلام”
ما ميز غوركي أن معجزته الأدبية لم تكن مجرد “نقلًا للمعاناة”؛ بل “القدرة على استخراج النور من قلب الظلام المطبق”. فلم تفلح كل مشاعر الألم والغيظ والسوداوية أن تستولي يومًا على الإنتاج الأدبي لغوركي، ولم يخط كلمة واحدة يدين فيها هؤلاء الناس الذين أذوه بشدّة، إذ كان يعتبر نفسه من حيث جوهر الأمر واحدًا منهم.

“طوق نجاة”
من ساعد غوركي كان جدته، فقد كانت وسيلته ليحيا. ففي الوقت الذي كان فيه جده يضربه بقسوة حتى يغمى عليه، كانت الجدة تملأ روحه بالحكايات الشعبية الروسية، وتحدثه عن إله طيب ومحب، بعكس “إله العقاب” الذي كان يؤمن به جده. تلك المرأة لم تحمه فقط من الموت كمدًا؛ بل زرعت فيه تلك “النجمة الملتهبة”؛ الإيمان بأن الإنسان مجبول على الخير، وأن القبح الذي يحيط به هو مجرد “ظرف طارئ” وليس أصله.

“سطوع من وسط ظلمة”
بالتدريج أخذ غوركي يصعد في الحياة طائرًا يرفرف بجناحين إلى شمس مجد الأدب العالمي. وتناول هذه المعاناة في أعمال روائية وأدبية مبدعة، رصدت مرحلة طفولته وتكوُّن نظرته للأمورِ والدنيا. فكان من أهم أعماله رواية الأم المشهورة شرقًا وغربًا، رواية الطفولة، مسرحية الحضيض، قصيدة «أنشودة نذير العاصفة»، بالإضافة للعديد من المسرحيات والقصص والمقالات.

“غوركي والتفرد”
يقول الناقد الروسي أناتولي تشارسكي: “إن روسيا عرفت أدباء كثر كانوا حقًا موهوبين، وتحدروا من صلب الشعب وحملوا إلى الأدب شحنة هائلة من الألم والمرارة ولا يقلون عن غوركي موهبة؛ لكنهم مع ذلك تراجعوا في مسيرة الأثر الذي تركوه بين الناس مقارنة بغوركي، وسبب ذلك أن الظلام استولى على کيانهم وذخيرة وعيهم وسيطر على كيان الروح عندهم”.

“ما بين الأدب الروسي الكلاسيكي والسوفيتي”
كان له دور بارز في الربط بين الأدب الروسي الكلاسيكي -القرن 19- الذي ركز على الأسئلة الوجودية متأثرة بالحياة السياسية آنذاك، والأدب السوفيتي -القرن 20- الذي ركز على بناء المجتمع وتشكيل وعي الإنسان السوفيتي الجديد.
اُعتُبِرَ غوركي الأب الروحي للأدب السوفيتي، أنشأ المدرسة الواقعية الاشتراكية، وتعد روايته الأم مصدر الإلهام للأدب البروليتاري السوفيتي.

“نهاية المأساة”
وتُوفِيَ في 18 يونيو عام 1936، عن عمر يناهز 68 عامًا، بعد حياة صعبة خاضها وتعرض لواقع لا يرحم، وكاد حبل الحياة ينقطع به آلاف المرات؛ إلا أنه كان يتحلى بطباع صلبة، ويمكن القول أنه تفولذ من تلك المحن أكثر مما تألم!

Previous Article

من جزر معزولة إلى شعوب آسيا.. كيف وصل الإسلام إلى أبعد بقاع الأرض؟

Write a Comment

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨