بين ثنايا اليرموك

“والله لأُنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد”، قالها “أبو بكر” لما ضاقت عليه الدنيا؛ فتعجب “عمر” متسائلًا توجُّه “خالد” من الحيرة إلى الشام، والعراق من يحفظه بعد خالد؟

في هذا الوقت بالتحديد، كان مجلس الصديق يضج بالآراء المتناقضة، فهم ليسوا في سعة؛ ففي الشام قد اجتمعت الروم للمسلمين وعددهم أكثر من مائتي ألف مقاتل، وعلى الجانب الآخر -في العراق- هدأت الأمور قليلًا لخالد بن الوليد، فماذا يفعل أبو بكر؟

هل يطيع حدسه ويقسّم جيش العراق بين “خالد بن الوليد” و”المثنى بن حارثة”، موجهًا خالد إلي وطيس الحروب وسليل سيوف الروم، أم يُبقيه على العراق آملًا من الله أن يوفق “أبا عبيدة” وجلّ أبطال المسلمين في أرض الشام؟

حدثني، ماذا كنت لتفعل إن كنت بين شقي الرّحى، لا تأمن جبهة الفرس بعد أن يرحل عنها خالد بنصف الجيش، ولا تأمن صنع الروم بالمسلمين في أرض الشام؟ ولا مجال لتراخي الوقت؛ فقد كان -رضي الله عنه- يدبر لحربين. في النهاية، أسلّم الصحابة رأيهم لأبي بكر؛ ولكن نطق عمر متسائلًا: “ومن الأمير إذا ما التحق خالد بجيش أبي عبيدة؟” كان رد الصديق حاسمًا: “خالد”، فيستنكر عمر أن يكون خالد أميرًا على القوم وفيهم أبو عبيدة أمين الأمة! وقتها رد الصديق ردًا حاسمًا مفعمًا بالقوة والصراحة، والاعتراف بالفضل والمكانة لأبي سليمان، رد قائلًا: “وعلى نفسي وعليك في الحرب يا عمر، والله إني لأعرف أن أبا عبيدة خيرٌ من خالد وله فضل السبق؛ ولكنّ أبا عبيدة رجل رؤوف بالناس، لا يخشي على نفسه الموت لكنه قد يخشى أن يلقي المسلمين في هُلكة، وعمرو بن العاص صاحب رأي ودهاء في سياسة القوم، لكنه قد يغلو في حسبة العواقب فيتأنى فيهلك المسلمون، وعكرمة ويزيد وشرحبيل كلهم مقدام، لكنهم ليسوا كخالد في وضع الخطة وتنفيذها؛ أما خالد فهو كما قيل أناة القط ووثوب الأسد إن شاء الله”.

كلام أبي بكر حمل جلّ الحقيقة؛ لكن ظلت فكرة واحدة عالقة برأس الفاروق وهي أن خالد يحمل الناس على ما يُطيق، ولا يطيق الناس ما يطيقه خالد وفيهم الضعيف.

والآن، انتقل الضجيج من مجلس الصديق إلى خيمة خالد؛ فالأمور بين يدي خالد ليست في أفضل الأحوال، فخالد يريد أن يسلك طريقًا لا يحبسه فيه الروم عن غياث المسلمين، والطريق الوحيد يدعى ب”المفازة” فهي كما وصِفت، الداخل فيها هالك والخارج منها مولود، عيبها انقطاع الماء طوال الطريق، وميزتها أنه لن يلقى ما يحبسه عن غياث المسلمين، فأشار “رافع” -وهو دليل خالد في الصحراء- أن تُعطّش الإبل ثم ترد الماء فتمتلئ بطونها حتى إذا ما عطشت الخيل نحروا منها، ومزجوا الماء الموجود ببطونها ببعضٍ من لبنها؛ فتشرب الخيل ويأكل الجند، وظل خالد يفعل هذا حتى أورده الله الماء.

ها هو الآن على مشارف أرض اليرموك، فأرسل لأبي عبيدة من ينبئه بقدومه ويطمئن الجند بغياث الله لهم، وقبل سويعات من بدء المعركة، يصل خبر وفاة الصديق وعزل خالد بن الوليد عن إمارة الجيش؛ ولكن الأمر يُكتم ويبقى سرًا، من يجرؤ على أن يخبر الناس أن أفضل أهل الأرض بعد رسول الله قد توفي؟ من يجرؤ على إخبار الجند أنهم حُرموا من سيف خالد وإمارته؟ الأمر عسير لذا بقى سرًا، ولكن دعونا ندقق النظر..

هناك في قلب الجيش، فتى صغير لم يحتلم يقترب من أبي عبيدة ويسأله: “ألك عند رسول الله حاجة؟”، فيبكي أبو عبيدة قائلًا: “أقْرِأ رسول الله منا السلام، وقل له إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا”، ويستشهد الفتى. وهذا خالد ينادي في أبطال المسلمين قائلًا: “أين الزبير بن العوام؟ أين عبدالرحمن بن أبي بكر؟ أين الفضل بن العباس؟ أين عمار بن ياسر؟ أين أبان بن عثمان بن عفان؟ أين صخر بن حرب الأموي؟ أين كذا وكذا؟” وأخذ ينادي في أبطال المسلمين من كل جانب وصوب، ثم شرع يقسّم الجيش إلى كراديس، وفوق كل كردوس أمير، ثم ما لبث أن سمع من يقول ما أكثر الروم وأقل المسلمين! فعنفه قائلًا: “بل ما أقل الروم وأكثر المسلمين! إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال”

كأن خالد أراد أن يقول لا حجة لكم اليوم، فقط امتازوا لنرى بلاء كل حي، والحمد لله قد امتازوا جميعًا.

بعدها، وقف خالد في الخلف -فهو لا يقاتل إلا إذا حمى الوطيس-، وقف وهو يحبس عكرمة بن أبي جهل عن القتال، وعكرمة يشطاط غضبًا؛ كيف له أن يُحبس عن القتال وهو من هو بين صناديد العرب! فيعنفه خالد قائلًا: “تنازعني الأمر يا ابن أبي جهل؟” فرد عكرمة قائلًا: “أما وإن قلتها فهو ابن عمك، ولا أرى الوليد بخير منه، ووالله إني لأصدق اليوم زعم أمير المؤمنين فقد قال إنكم بني مخزوم لا تستشهدون”؛ فرد خالد ردًا رقيقًا مفعمًا بالقوة: “لا والله، إن الله لم يبعثنا لنموت بل بعثنا لنحيا ونحيي هذه الأرض، فإن متنا أو قُتلنا فهذا فضل الله وهذه الشهادة، ووالله لأكذبن اليوم قولة عمر”، فلما حمى الوطيس قاتل خالد بنفسه حتى تكسرت في يده السيوف، وفقد قلنسوته التي كانت تحوي بعضًا من شعر رسول الله، وأخبره أبو عبيدة عن حاجتهم لكتيبةٍ تقاتل حتى تُفني الروم، فرد خالد: “لهذا بعثت عكرمة ينتدب الناس”، وانتدبهم عكرمة وهو يردد: “قاتلت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كل موقف وأفر اليوم من هؤلاء!”، فبايعه الناس على الموت، وتسابقوا للقاء الله في جنان الخلد إن شاء الله، وبهذا فُتحت أرض اليرموك ودَفن خالد أبناء عمومته من بني مخزوم شهداء بإذن الله، وصلى خلف أبي عبيدة بعد أن صار السلطان سلطانه.

ألا رحم الله من فتحوا لنا الدنيا وخلصوا الناس من ظلم شر الناس.

Previous Article

ما وراء المرجعية

Next Article

شجر الزيتون أثمر رمانًا

Write a Comment

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨