حبوب الغلة: بين إنقاذ المحاصيل وحصد الأرواح

تُعد “حبوب الغلة” من أكثر المبيدات الحشريَّة استخدامًا في البلدان النامية؛ لأنها رخيصة وفعالة وخالية من المخلفات السامة. تُستخدم بربطها في قطعةٍ من القماش ووضعها في صوامع الغلال، دون أن تترك أثرًا على الغلال، وتزيد عن عشرة أنواع، معظمها مستورد من الهند والصين.

“فكرة عمل حبوب الغلة”

تحتوي “الحبة” على “فوسفيد الألمونيوم” بشكل مُركز، وهو مركب كيميائي صيغته (AlP)، يتكون من الألمونيوم (Al) والفوسفور (P)، ويكون على هيئة مسحوق بلوري له لون رمادي مسوَّد. تعتمد آليَّة عمله على تفاعله مع الماء أو رطوبة الهواء الطلق؛ فيُطلق غاز “الفوسفين” السام (PH₃) الذي يُستخدم لقتل القوارض والحشرات؛ لكنه يتسبب في تآكل الأنسجة البشريَّة عند استنشاقه أو ابتلاعه.

“ضحايا حبوب الغلة”

شاع استخدام حبوب الغلة في حالات انتحار خلال السنوات الماضية، خاصةً في المناطق الريفيَّة: كحادث انتحار ثلاث فتيات من محافظة الشرقية؛ بسبب خلافات أسريَّة، وانتحار الطالبة “بسنت” بعد نشر صور مفبركة لها، وحديثًا الشاب “مصطفى محمد أبو الوفا” بعد أن بلع الحبة في بثٍ مباشر على “فيسبوك”.

في تقرير طبي، استقبل مركز السموم بمستشفيات جامعة المنوفيَّة (5160) حالة تسمم، تُوفي منهم (123) حالة: (116) منها بسبب حبوب الغلة، و(7) حالات بمواد أخرى.

وأوضحت “غادة حسب الله” -أستاذة الطب الشرعي والسموم في جامعة القاهرة- لموقع الـ(BBC): “إن خطورة حبة الغلال تكمن في عدم وجود مصل مضاد لها؛ إذ يُحاول الأطباء إنقاذ كل جهاز من أجهزة المريض الداخليَّة على حدة لتجنب الوفاة”، وتُشير الإحصاءات إلى أن أعداد المتوفين حول العالم بسبب تناول المبيدات الحشريَّة يتراوح بين (250 – 370) ألف شخص، وأنها المسؤول الأول عن ثُلث حالات الانتحار في جميع أنحاء العالم في عام (2018).

“آلية السمية”

بعد ابتلاع الشخص حبة الغلة، يُطلق فوسفيد الألمونيوم غاز “الفوسفين”، الذي يجري امتصاصه بسرعة في الجهاز الهضمي. بعد الامتصاص يتأكسد الفوسفين إلى أحماض أكسجينيَّة، أي أنه يتفاعل مع غاز الأكسجين (O₂)، بالإضافة إلى تأثير الفوسفين المُسبب للتآكل، فإن آليَّة السميَّة تعتمد على فشل التنفس الخلوي؛ بسبب التأثير على “الميتوكوندريا” -عضيَّات خلوية تقوم بإنتاج الطاقة اللازمة للعمليات الحيويَّة-، وبالتالي يحدث فشل في معظم أعضاء الجسم فتحدث الوفاة. وعادةً ما تظهر أعراض التسمم في غضون دقائق قليلة بعد ابتلاع الحبة كـ: القيء المُتكرر، الإصابة بالصداع وسرعة ضربات القلب، ثم تتطور إلى الازرقاق، الوذمة الرئوية -تجمع السائل داخل الحويصلات الهوائيَّة في الرئتين- وانخفاض ضغط الدم، وتُعتبر الجرعة السامة للبالغين من (150-500) مجم، وتحتوي حبوب الغلة على ثلاثة أضعاف تلك الجرعة! مما يجعل فرص النجاة شبه معدومة.

“أسباب عدم الحظر”

اقتصرت الحلول على “توصيَّات برلمانيَّة” بتشديد الرقابة على تداول حبوب الغلة، ولكن بعض الآراء أعاقت هذه التوصيَّات، حيث أوضح “حسين أبو صدام” -نقيب الفلاحين المصريين- في بيان أصدره عقب صدور هذه التوصيات، أن حبة الغلة أفضل المبيدات استخدامًا في حفظ الغلال، ومنع استخدامها أمر غير معقول -من وجهة نظره-، مضيفًا: “لا يُعقل أن نُطالب بمنع مبيد مهما كانت درجة سميته من أجل خطأ في الاستخدام”.

وأيده “هشام الحصري” -رئيس لجنة الزراعة والري بمجلس النواب-، مُؤكدًا على عدم وجود بديل لها لحفظ الغلال في البلاد. وقال: “من يُريد الانتحار سينتحر بأي وسيلة، فيُمكن أن يُلقي بنفسه من الطابق العاشر”.

“التوصيات البرلمانية والإسعافات الأولية”

حتى وقت قريب.. كان من السهل الحصول على حبوب الغلة من الدكاكين ومتاجر المبيدات الزراعيَّة في الريف المصري، لكن قيودًا أخيرة -بحسب مزارعين في صعيد مصر- منعت بيعها بصورة “مفردة”، وفرضت سؤال المشتري عن الغرض من استخدامها قبل بيعها. ويذكر د/ محمود محمد -مؤسس المركز القومي للسموم بكليَّة طب القصر العيني-: “أنه في حالة تناول “الحبة” فإن وقت الإسعاف يُحسب بالدقائق؛ إذ أنه بمجرد نزولها إلى المعدة تُعد بمثابة قنبلة كيماويَّة، ويُوصى بإعطاء المريض فنجانًا من الزيت بشكل متكرر خلال (15) دقيقة”، مع منع شُرب الماء نهائيًا لتجنب التفاعل الذي ذكرناه مسبقًا.

Previous Article

يوم الرؤية.. لحظة ترقب تتجدد كل عام

Next Article

سقوط روان ناصر: بين السكون والموت

Write a Comment

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨