برز أمامنا تحدٍ كبير يُواجه طلاب الدفعة (39) بكليَّة الطب، الذين بدأوا رحلتهم العلميَّة بحماسٍ وأمل، وها هم اليوم يقفون عند أعتاب التخرج ودخول الحياة العمليَّة؛ لكن بدلًا من أن تكون هذه اللحظة تتويجًا لسنوات من الكفاح، تحوَّلت إلى محطة قلق بسبب عقبات إداريَّة وقانونيَّة تُهدد مستقبلهم الأكاديمي والمهني.
“دفعة (39).. أزمة تتفاقم”
أنهى طلاب دفعة (39) امتحاناتهم في أكتوبر (2024)، استعدادًا لبدء فترة الامتياز في مارس (2025)؛ لكن الصدمة كانت في غياب أسماء بعض الناجحين عن قوائم الملتحقين بالامتياز. تبيَّن لاحقًا أن السبب هو الرسوب في إحدى المواد التكامليَّة أو الاختياريَّة؛ مما أدى إلى تأجيل امتيازهم ستة أشهر، وقد يتأخر الطلاب الذكور ستة أشهر أخرى على دفعتهم في الخدمة العسكريَّة، أي ما يعادل سنة كاملة بالنسبة للذكور!
“بين الطموح والعقبات.. ضغوط متزايدة”
طلاب كليَّة الطب ليسوا غرباء عن الضغوط؛ سنواتهم مليئة بالتحديات الأكاديميَّة التي تتطلب جهدًا استثنائيًّا. بعضهم يسعى لتحقيق حلم “النيابة”، بينما يُحاول آخرون اجتياز العام الدراسي دون تعثر. ورغم صعوبة المقررات الطبيَّة الأساسيَّة، جاءت إضافة “المقررات الاختياريَّة” لتُضيف عبئًا جديدًا، على الرغم من أنها -وفقًا للمادة (12) من دليل الطالب- لا تُؤثر على المجموع التراكمي أو الانتقال بين المستويات، كما أن الرسوب فيها لا يُعتبر عائقًا أكاديميًّا.
تشمل هذه المواد موضوعات طبيَّة وغير طبيَّة مثل: الموسيقى، الرسم، إدارة المستشفيات، جودة الرعاية الصحية، الترجمة و(stem cells). يلتزم الطالب بدراسة عشرة مقررات اختياريَّة على مدار خمس سنوات، بمعدل مقرر لكل فصلٍ دراسي.
ورغم هذا الطابع الاختياري، إلا أن تأثيرها تجاوز المتوقع، لا سيما مع طريقة تدريسها التي يصفها الطلاب بأنها “شكليَّة”. تقول إحدى الطالبات:
“رغم أن لهذه المواد جداول وامتحانات، فإننا لا نحصل على شرح منتظم كما هو الحال مع باقي المقررات، وقبل الامتحان بفترة قصيرة، تُرسل إلينا فيديوهات أو ملفات للمذاكرة، مما يضطرنا إلى الحفظ السريع دون فهم كافٍ. والمشكلة الأكبر أن اختبارات هذه المواد تُجرى عادةً قبل امتحانات المقررات الثقيلة، مما يزيد من الضغط علينا”.
“مادة اختيارية.. وتأجيل مصير”
غير أن الصدمة الحقيقيَّة التي فجَّرت غضب الطلاب، تتمثل في أن الرسوب في إحدى هذه المواد في العام النهائي يُؤجل امتياز الطالب لستة أشهر كاملة!
هذا التأخير لا يُؤثر فقط على موعد بدء الامتياز، بل يُهدد مستقبل الطلاب المتفوقين -الذين رسبوا بالمواد الاختياريَّة- المرشحين للحصول على “النيابات الأكاديميَّة”، إذ أن تأجيل الامتياز يعني تصنيفهم كـ “متأخرين دفعة”، مما يحرمهم من التعيين الأكاديمي -النيابة- لصالح التعيين في وزارة الصحة، وهو ما يراه البعض إهدارًا لجهودهم وتفوقهم.
تصف إحدى الطالبات معاناتها قائلة:
“من غير المنطقي أن تُؤجل حياتنا المهنيَّة بسبب مادة اختياريَّة لا تُحتسب ضمن المجموع! كيف يُعاملنا النظام كما لو كانت هذه المواد أساسيَّة؟ نحن نعيش ضغطًا نفسيًا هائلًا، ولا نجد من يسمع أصواتنا”.
“دفعة (38).. استثناء يُثير التساؤلات”
ما يزيد من حدة الأزمة أن دفعة (38) واجهت المشكلة نفسها، لكنها حُلت وديًا دون تأخير امتياز الطلاب. فبحسب ما أفاد به عدد من الطلاب، فقد تمَّت معالجة الأمر داخليًا بين الإدارة والطلاب تحت مسمى “ظروف خاصة”. وسمح هذا الحل لطلاب الدور الثاني بالالتحاق بزملائهم في الامتياز دون تأجيل.
وتستند هذه المعالجة إلى المادة (34) من اللائحة، التي تُتيح لمجلس الكليَّة تعديل بعض الأحكام بعد موافقة مجلس الجامعة. إلا أن هذا القرار أثار جدلًا واسعًا داخل أروقة الكليَّة، حيث اعتبر البعض أن “المرونة” في تطبيق اللوائح جاءت بسبب وجود طالبٍ على صلة بأحد أعضاء الإدارة، وهو ما مكَّن زملاءه أيضًا من الاستفادة من القرار.
“اللائحة بين النص والتطبيق”
من الناحية القانونيَّة تبدو الأمور واضحة؛ إذ تنص المادة (12) على أن:
“لا تُضاف الدرجات الحاصل عليها الطالب في المقررات الاختياريَّة إلى المجموع التراكمي، ولا يُؤثر الرسوب فيها على انتقال الطالب إلى المستوى الأعلى”.
لكن التطبيق العملي يُظهر خلاف ذلك، إذ أكد بعض الطلاب أن إدارة الكليَّة تعامل دفعة (39) على أنها “دفعة نهائية”، مما يترتب عليه تطبيق إجراءات صارمة، على عكس ما حدث مع الدفعة السابقة.
في الوقت نفسه.. تُتيح المادة (34) من اللائحة لمجلس الكليَّة تعديل بعض الأحكام بما يخدم مصلحة الطلاب، إلا أن الإدارة لم تلجأ لهذا الخيار حتى الآن، مما يطرح تساؤلات حول موقفها الحقيقي من الأزمة.
“هل تتحرك الإدارة لإنصاف دفعة (39)؟”
رغم وضوح اللوائح تُثير أزمة الامتياز تساؤلاتٍ عديدة حول معايير الإدارة في التعامل مع الطلاب. ويُشير بعض الطلاب إلى ما وصفوه بـ”استثناءٍ غير مبرر”، متسائلين عن سبب إدراج اسم أحد زملائهم -رغم رسوبه في إحدى المواد التكامليَّة- ضمن قوائم الملتحقين بالامتياز دون تأجيل، في الوقت الذي تأجلت فيه فرصة آخرين واجهوا الموقف نفسه.
وفي الوقت الذي يرى فيه بعض الطلاب أن هذا الإجراء يعكس ازدواجيَّةً في تطبيق اللوائح، يُرجح آخرون احتمال وجود خطأ إداري أدى إلى هذا الإدراج.
وسط هذا الوضع المعقد، يتمسك طلاب دفعة (39) بأمل إيجاد حل عادل، سواء من خلال إعادة العمل بقرار الشؤون الطلابيَّة السابق الذي سمح بإعادة الامتحان، أو من خلال تعديل اللائحة لضمان المساواة بين جميع الدفعات.
ومع تصاعد الضغوط.. يبقى السؤال:
هل ستتخذ إدارة الكليَّة خطواتٍ جادة لإنصاف طلاب دفعة (39) كما فعلت مع دفعة (38)؟ أم سيظل هؤلاء الطلاب عالقين في دوامة الإجراءات الإداريَّة التي تُعرقل مستقبلهم المهني؟ وإذا كانت اللوائح تنص على تأجيل الامتياز بسبب الرسوب في المواد التكامليَّة، فلماذا يُطبق هذا الإجراء على طلاب السنة النهائيَّة دون أن يتم توضيحه لهم منذ بداية دراستهم، بدلاً من مفاجأتهم بتبعاته في نهاية مشوارهم الأكاديمي؟