عندما نتأمل سيرة النبي محمد ﷺ لابد أن يقف العقل للتفكير أمام معادلة تكسر قواعد المنطق، إذ شاءت الحكمة الإلهية أن تقع أمانة أعظم رسالة على عاتق رجل أُميِّ لا يقرأ ولا يكتب، إضافة إلى بيئة رافضة لكل ما يدعو إليه من مظاهر الإنسانية، مجتمع غارق في الوثنية والتعصب والظلم، فكان ﷺ غريبًا في محيط يعتاد الفساد، ثابتًا على مبادئه، صابرًا محتسبًا، حتى وصلت إلينا الرسالة محفوظة بدموعٍ وصبرٍ وتضحيات دفع ثمنها النبي ﷺ وأصحابه -رضوان الله عليهم جميعًا-، فما أبرز تلك التحديات التي تعرض لها نبينا الكريم ﷺ؟
“الجهر بالدعوة”
مع خروج الدعوة من السر إلى العلن، اعتبرت قريش ذلك اعتداءً على معتقداتها، فسعت إلى الضغط على عمه “أبي طالب” ليكف ابن أخيه عن الدعوة أو تُرفع عنه الحماية، قائلين: “إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه”. إلا أن أبي طالب صرفهم؛ ففشل مسعاهم وانتقلوا إلى اسلوبٍ آخر، فانهالوا عليه ﷺ بسيلٍ من الإتهامات: الجنون، السحر، الكذب وأن القرآن أساطير الأولين، ثم تصاعد الأمر إلى حرب نفسية تمثلت في السخرية والاستهزاء والتقليل من شأن المؤمنين، ثم حوصر بعد ذلك ﷺ وصحابته ثلاث سنوات، ذاقوا في هذا الحصار -الاقتصادي والاجتماعي- الجوع وشدة البلاء، ومع ذلك ظل رسول الله ﷺ ثابتًا على دعوته، صابرًا لأمر ربه وماضيًا في طريق الحق.
“عام الحزن”
بعد انتهاء الحصار في مكة، أصاب النبي ﷺ مصيبتي وفاة أم المؤمنين السيدة “خديجة” وعمه “أبو طالب” في نفس العام؛ لذلك عُرف هذا العام -العاشر من البعثة- عند أهل السيَّر بعام الحزن، وقال بعضهم متصوِّرًا حال النبي ﷺ: “فجاء عمك حصنًا تستكن به.. فاختاره الموت والأعداء في الأجم.. أما خديجة من أعطتك بهجتها وألبستك ثياب العطف والكرم.. غَدت إلى جنة الباري ورحمته وأسلمتك لجرح غير ملتئم”؛ لكن لم تزده هذه الأحداث إلا تصميمًا وعزمًا على مواصلة الطريق، وهكذا كان نبينا الكريم ﷺ.
“محنة الطائف”
أتت الآية الكريمة {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [سورة الأنبياء: 107]، لتؤكد أن رسالة الإسلام عامة لكل الناس، فخرج النبي ﷺ في شوال من السنة العاشرة إلى الطائف، ساعيًا إلى نشر الدعوة خارج مكة، قاطعًا المسافة سيرًا على الأقدام. أقام ﷺ في الطائف عدة أيام يدعو أهلها إلى الإسلام، لكنه قوبل بالرفض الشديد والسخرية، ولاحقوه بالحجارة حتى أدميت قدماه الشريفتان، وأصيب زيد بن حارثه -رضي الله عنه- وهو يحاول حمايته، ولم يتوقف الأذى إلا بعدما لجأ النبي ﷺ إلى بستان لـ”عتبة وشيبة”-ابناء ربيعة- خارج الطائف، وقد كانت هذه المحنة من أشد ما مر به النبي ﷺ من أذى نفسي وجسدي، ومع ما تعرض له من إساءة وطرد وإيذاء لم يدع عليهم بالهلاك، بل رجع إلى مكة ليستأنف دعوته ثابتًا على رسالته.
“وفاة أبناء النبي ﷺ”
من أعظم الابتلاءات التي صبر عليها النبي ﷺ هي وفاة أبنائه الذكور خلال حياته، وكانت الحكمة حتَّى لا يُفتن بهم بعض المُحبِّين، ويظنوا أن النبوة سَيَرِثها أحد أبنائه، ويصف أنس بن بن مالك -رضي الله عنه- موقف النبي ﷺ عند لحظة موت ابنه إبراهيم فيقول: “أخَذَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إبْرَاهِيمَ، فَقَبَّلَهُ، وشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عليه بَعْدَ ذلكَ وإبْرَاهِيمُ يَجُودُ بنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تَذْرِفَانِ، فَقالَ له عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: وأَنْتَ يا رَسولَ اللَّهِ؟ فَقالَ: يا ابْنَ عَوْفٍ إنَّهَا رَحْمَةٌ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بأُخْرَى، فَقالَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، والقَلْبَ يَحْزَنُ، ولَا نَقُولُ إلَّا ما يَرْضَى رَبُّنَا، وإنَّا بفِرَاقِكَ يا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ”. رواه البخاري.
“ليلة الهجرة ومحاولة اغتياله ﷺ”
في مكة.. ضاق المشركون بالنبي ﷺ بسبب دعوته وانتشار الإسلام، وفشلوا في كل محاولات الترهيب والترغيب، ومع علمهم بالبيعة التي تمت بين النبي ﷺ وأهل المدينة، عقد زعماء قريش اجتماعًا وقرروا قتله أثناء نومه، وفي الليلة المحددة حاصروا بيت النبي ﷺ؛ لكن الله أذن له بالهجرة، فنام عليًّا -رضي الله عنه- في مكانه ليحميه، ضاربًا بذلك أروع أمثلة التضحية والفداء، ثم خرج النبي ﷺ متخفيًا منهم، وقد أعمى الله أبصارهم عنه، مهاجرًا إلى المدينة المنورة كما وعده الله تعالي :{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67].
“صبر النبي ﷺ في الميادين”
واجه النبي ﷺ في غزواته صنوفًا شتى من الصعوبات؛ خرج بقلة عددٍ وعُدَّة أمام جيوش تفوقه أضعافًا كما في غزوة بدر، وذاق مرارة الانكسار البشري في غزوة أحد عندما شُجَّ وجهه الشريف وكُسرت رباعيته -وهي السن التي بين الثَّنِيَّة والنَّاب-. وعاش حصار الخوف والجوع في غزوة الخندق مع تآمر الأحزاب ونقض بني قريظة للعهد، وتحمل حرَّ القيظ وقلة الزاد في غزوة تبوك التي سُمِّيت بالعُسرة، وفقد خيرة أصحابه شهداءً، ومع ذلك ظل ثابت القلب، بعيد النظر، يقود بالصبر والحكمة، حتى تحوّلت المحن إلى تثبيتٍ للدعوة وتمكين {إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160].
“وفاة النبي ﷺ”
“يا معاذُ! إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري؛ فبكى معاذ جشعًا”. كان النبي ﷺ يودع الحياة بأقوال وأفعال تدل على قرب وفاته. حتى أتت خطبة الوداع بعد أن أتم النبي ﷺ الرسالة وأكمل تبليغها، جمعت الخطبة بين التعليم الديني والتوصية والوداع، حيث خاطب النبي ﷺ أصحابه وجُموع الحُجاج -وقتها-، مُقرِّرًا أصول العدل، وحرمة الدماء والأموال والأعراض، وأن الناس سواسية لا فضل لعربيٍّ على أعجميٍّ إلا بالتقوى، ومستوصيًا بالنساء خيرًا، ثم قال في ختامها: “ألا هل بلغت؟” فقالوا: نعم، فرفع إصبعه إلى وقال: “اللهم فاشهد”. ليغادر النبي ﷺ الدنيا وقد أدى الأمانة، وودع الأمة، وداعًا لتلك الدار الفانية إلى دارٍ باقية لا نَصب فيها ولا تعب.