“من سرَّه أن ينظر إلى شهيدٍ يمشي على وَجهِ الأرضِ فلينظُر إلى “طلحة بن عبيد الله” شهادة نبوية تختصر مكانة صحابي جليل. في مكان تحيطه الجبال من كل جانب بشمسٍ حارقة وطبيعةٍ قاسية، تتكئ البيوت الحجرية على سفوحٍ صلبة، وتقف الكعبة شامخة لا تدلسها الأصنام القابعة حولها، لكنها كانت مركزًا يدور حوله العرب؛ قوافل تمضي شمالًا وجنوبًا، وأصواتُ تجارٍ تختلط بترانيم الحجيج، هناك، بدأت حكاية الشهيد الحيّ “طلحة بن عبيد الله”.
دخل طلحة الإسلام شابًا دون تردد فحَسُن إسلامه، وأنفق من ماله ودمه في سبيل الدعوة، على الرغم من تعذيبه والتنكيل به من قبيلته قريش، وفي يوم غزوة أحد وقف جسدًا يحمي رسول الله ﷺ، يتلقى الضربات حتى شُلَّت بعض أصابعه، وقيل أن أخذ بضع وسبعون طعنة وضربة ورمية، قائلًا: “بأبي أنت وأمي يا رسول الله.”، حتى قال فيه ﷺ :”أوجب طلحة”، أي: وجِبَت له الجنة، وهكذا صار طلحة أحد العشرة المبشرين بالجنة، رجلًا كُتب له وعد السماء وهو ما يزال يمشي بين الناس.
ولَمَّا حدث الخلاف بين الصحابة حول: الإستقرار والبيعة أم القصاص لعثمان -رضي الله عنه-، كان طلحة بن عبيد الله يميل إلى القصاص العادل؛ ولكن ورغم ذلك -بذكر الروايات- جاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وناشد طلحة أن يرجع عن قتاله، وألَّا يؤذيه بذلك، فرجع طلحة، وقرَّرَ أن ينسحب عن المعركة، فإذا بسهمٍ غادر أزهق روحه الشريفة، وارتقى طلحة إلى جوار ربه في نعيمٍ عرفه قبل أن يدركه، ليكون نعم الشهيد.. الشهيد الحيّ.
ودع علي بن أبي طالب طلحة والزبير -رضي الله عنهم-، بكلمات جليلة اختتمها قائلًا: “إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير وعثمان من الذين قال الله فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:47]، ثم ضمَّ قبريهما بنظراته الحانية، راجيًا للقاءٍ لا خصام فيه ولا فراق.