خبايا الذاكرة: نسيان وأكاذيب

الثامن عشر من شهر يونيو الماضي.

امتلأ التلفاز وجميع وسائل التواصل الاجتماعي بخبر غرق الغوَّاصة “تيتان”! تلك الغوَّاصة التي كان غرضها مُشاهدة حُطام السفينة الأكثر شهرة بالعالم “تيتانيك” كوسيلة من وسائل المتعة. وقع الاختيار عليها لتفوق تصميمها -كما يزعمون- ، ثم بدأت رحلتها من السواحل الشمالية للمحيط الأطلسي، لكن انقطعت جميع سُبل الاتصال بعد قُرابة الساعتين، ولَمْ يَعُد لها أي أثر في نهاية اليوم!

انتشر الخبر كالنار في الهشيم؛ مما جعل العالَم بأكمله يتابع عمليات البحث التي تجاوزت الثلاثة أيام، بين ذكرهم لعنة تيتانيك عليها وبين المصدقين بنظريات المؤامرة وغير ذلك الكثير، وبعدما وَجدوا الحُطام بأسبوع تقريبًا لم يَعد أحد يتذكر تلك الحادثة!

“آفة حارتنا النسيان” نجيب محفوظ في رائعته الحرافيش.

لكنَّه جزء من طبيعتنا البشرية، دونه لن يستطيع العقل التعايش واستكمال الحياة، لكن هل هو نعمة في كل مواضعه؟

قد يكون نعمة حين يتعلق بمأساة شخصية لا نريد أن نعيش تفاصيلها مرة أخرى، لكنَّه أصبح أقرب إلى نهج في التفكير لدى الشعوب، لم يُرزَقوا استيعاب فكرة كون ذاكرتهم هي حلقة الوصل بين اليوم والأمس، وأصبح لديهم ما يُشبه الخلل، فَهُم ينساقون وراء الـ(Propaganda)؛ وذلك لكونهم مجرد مُتلقِّين أمام وسائل الإعلام، يتأثرون عاطفيًا لعدة أيام؛ لأن أغلب تلك الأفكار مدروسة من حيث الحيثيَّة أو الغاية، وعند الوصول للتأثير المطلوب يأتي حدث جديد -حتى وإن كان تافهًا- فيخطف الأضواء من سابقه وهلم جرًا.

لن تشعر بخطورة شيء كهذا عند أخذ الغوَّاصة مثلًا، ولكن عند ذِكر ما يحل بالشعوب والدول من النوازل، أو أي حدث يُسبب الخسائر البشريَّة الجمَّة فهي سمة شديدة الخطورة، لك أن تتخيل شخصًا فاحش الثراء عند نسيانه للفقر والعوز في بداياته، كيف سيكون تكبره! أو نسيان مُهاجر لأرضه التي سُرِقَت أو حقوقه التي تمَّ نهبها!

قد تُعارضني بأننا لن ننسى بؤسًا مررنا به ولن نكرره، لكن علماء النفس أكدوا أن سبعة وثمانين بالمئة من الناجين بالحرب العالمية الثانية، لا يتذكرون تفاصيل الحرب أو التعذيب الذي تعرضوا له، ومن المؤكد أن رد فعل العقل على التجارب المأساويَّة يتفاوت بين شخص وآخر، لكن النسيان هو الحل الأبسط والأمثل لتجنب حياة مليئة بالتعاسة أو حتى الندم. مُجرد ستار أسود سيُغطي تلك الذكرى وكأنها لم تكن!

يمكن ألا تكون المشكلة في النسيان وحسب؛ فالكثير منَّا يُعاني من الذاكرة الكاذبة أو بما يُسمى “تأثير مانديلا”، أي تصديقنا -بشكل جماعي- لأمور معينة وذكر أدق التفاصيل لها وهي لم تحدث بالواقع! سُميت الظاهرة بهذا الاسم نسبة إلى أشهر موقف اعتقد البشر أنَّه حدث في تسعينات القرن الماضي وهو وفاة “نيلسون مانديلا”، يتذكر عدد كبير تفاصيل وفاته بالسجن وجنازته، ولكنه توفي بالفعل في (2013) وفي منزله!

رُبما لن يلمس جيلنا الأثر المطلوب من هذا الموقف، لذا سأذكركم بشعار البقرة الشهير لإحدى شركات الجبن، سيتخيل الجميع تلك البقرة مرتدية حلقة ذهبية في أنفها، ولكن هذا لم يحدث منذ افتتاح الشركة!

غُيِّرت هذه الصور في عقلنا الباطن، فما المانع أن تتغير أحداث التاريخ أمام أعيننا ثم إقناعنا بأن الحقيقة لم تحدث؟

العقل البشري معجزة لا يُمكن التغاضي عنها، لكن التلاعب به ليس بالأمر الصعب. يتم إلهاؤه عن أحداث وحتى حقب كاملة كأنها لم تكن، تُشَوِّه ذكرياته عنها أو حتى تُمحى؛ وذلك يقودنا إلى تكرار الأفعال ذاتها مرة بعد مرة كأن السيناريو لم يحدث من قبل، وقد هلكت أقوام لتكرارهم ذات الخطأ مرارًا وتكرارًا، بل وزال أثرهم، رُبما لِمَا زُرِع في العقول من أحداث مزيفة لتُشوش على الحقائق؛ لأن اعتمادهم على النسيان ليس الحل دائمًا، لكن النتيجة الكارثيَّة واحدة، وهي فقدان الخيار في ما ننساه وما نتذكره وكيف نتذكره! وبهذا تبقى أشد القضايا أهميةً مُلقاة على الرف، ولا يشغلنا سوى خبر اليوم المُختار بعناية.

“أولئك الذين لا يستطيعون تذكُّر الماضي، محكوم عليهم بتكراره” جورج سانتيانا.

Previous Article

كم مرة مات جحا!

Write a Comment

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨