لا أريد أن أموت مثل روبيرتو باجيو

من منا لم يسمع بروبيرتو باجيو ساحر كرة القدم الإيطالية في التسعينات، والفتى المدلل في كتيبة المنتخب الإيطالي، وإذا لم تكن قد سمعت به من قبل فهذا المشهد قد يعرفك على أشهر حادثة في حياة باجيو.

المكان أمريكا والحدث المباراة النهائية لكأس العالم، روبيرتو على التسديد، وإذا سجل من الممكن أن يعيد الأمل مرة أخرى لإيطاليا، ولكن للأسف أتت الرياح بما لا تشتهيه السفن الإيطالية، ضيعها باجيو وأضاع معها حلم إيطاليا في التتويج، ماذا يكون شعورك إذا أخفقت وأنت تحمل مسئولية كبيرة؟ ماذا لو كانت تلك المسئولية هي أن تسعد شعبًا بأكمله؟

كان الأمر كارثيًا على باجيو، فعندما تغرق السفينة يكون المُلام الأول هو قبطانها، وهذه هي ضريبة القيادة، حكاية روبيرتو باجيو لخصت رحلة كل قائدٍ في هذا العالم، بداية من الشخصية التي يمتلكها والتي أهلته لذلك، مرورًا بالعقبات وكذلك النجاحات والشهرة، ولم تستثني قصة باجيو من أحداثها أن تجعله يدفع ضريبة كل ما امتلكه من مزايا، فقد أظهرت -وبوضوح- مرارة الخسارة، كما سلطت الضوء على موقف الكارهين أو عديمي الحيلة عندما أوشكت السفينة على الغرق.

وبالرجوع إلى الماضي قليلًا نجد أن باجيو قد ارتقى لأن يكون الشخص الذي يعول عليه الكثيرون -لم يكن مجرد لاعب كرة قدم وحسب-، ولما لا فهو يحمل من الموهبة والشخصية ما يؤهله لذلك، الشخصية التي تميز كل قائد؛ حتى إنك قد تحسب كل القُواد نفس الشخص أحيانًا، فكل من ينتمي إلى هذه الصفوة من الناس لا بد أن يمتلك من الكياسة وحسن التصرف ما يجعله يحسن إدارة المواقف الصعبة، ودائمًا ما تشعر بتأثيره وحضوره الكبيريْن.

ولا أخفي عنك سرًا فكونك قائدًا يعطيك الاستقلالية التي تحتاجها، كما أنك تنعم بقدر كبير من الثقة والامتنان ممن حولك، وهو ما يزين طريقك نحو الشهرة أو المنصب الذي تكون جديرًا بأن تشغله، والحقيقة أنه لشعور رائع أن تكون مطلوبًا ومهمًا، وأن تُستعمل ويقترن اسمك بالإنجاز دائمًا، فالقائد الحقيقي يُفضِّل أن يكون في الموعد أو ألا يكون.

ولأن القيادة مثلها مثل غيرها فليست كئوسها كلها خمرًا، فكما أسقتك عذبها، لا بد وأنها ترغب في أن تُذيقك مُرها في يومٍ ما! وحينها تدفع ضريبة ما نعمت به سابقًا، وتتفاجأ بأن من حولك من المنبهرين والممتنين، هم أنفسهم الذين يحملوك عبء غرق السفينة وإن كان الموج مصطخبًا، وفي مثل هذه المواقف لا تستطيع الهرب من أعين الناس التي سوف تظل تتبعك وتتهمك بأنك سبب النكسة أو الخسارة، حينها إما أن تقوم وتستعيد دفة القيادة، وإما أن تموت منتكسًا كما الباقين.

وعلى ذكر الموت ألا تريد أن تعرف كيف مات باجيو؟

الجواب يأتينا من أحد صحفيي التسعينات الذي دُونت كلماته بسطور من ذهب، والتقطتها مسامع الناس حول العالم، يقول: “يقال أن سقراط مات مسمومًا، ونيتشه مات مجنونًا.. أما باجيو فقد مات واقفا”.

أجل توقفت حياة باجيو لفترة، توقفت وتجمدت كما تجمد هو في مكانه بعد أن أهدر ركلة الجزاء مباشرة، في اللحظة التي توقف فيها عن التصديق بأنه يمكن أن يعيد السفينة إلى مسارها.

ولنكن صادقين فإن مسيرة باجيو كلاعب لم تتوقف بعدها، لكنها تأثرت وتأخرت كثيرًا بسبب هذه الخسارة في ذلك اليوم، الذي قال عنه باجيو بنفسه: “كنت لأقتل نفسي يومها؛ مقابل أن أتوقف عن الشعور بأي شيء”، لذلك فإن كل شخص يود أن يتولى زمام الأمور في مهمة ما أو أن يكون قائدًا في مقدمة عمل ما؛ عليه أن يأخذ قصة روبيرتو باجيو كمرآة أو كرة سحرية تخبره بأحداث لا بد أن يمر بها كل قائد، فأيام القيادة حلوة ومرة، لا يدري فيها المرء علي أى قمة سيصبح أو في أي قاع، كذلك فإن هذه المرآة قد تُخبر الإنسان أنه ليس القائد المناسب لهذه المهمة أو في تلك المرحلة، فلكل مقام مقال.

عزيزي القارئ، الآن وبعد أن عرفت مزايا القيادة وضريبتها، وشاهدت العواقب حين تمر السفينة بأمان وسط أمواج الرحلة المصطخبة، وأيضًا حين تكون على وشك الغرق، هل ما زلت تريد أن تكون في مقدمة الركب؟ وفي كل الأحوال سواء قررت أن تكون في الصفوف الأولى أو خلفها فيسعدني أن يكون مقالي هذا استرشادًا ترجع إليه، أود به الخير لك بكل تأكيد.

وفي الأخير، لن أخبرك بأني بائع ورود جئت أرشدك إلى البستان الذي تجد فيه نفسك، وتزهر فيه إنجازاتك، ولكن أؤكد لك أنه دائمًا ما توجد الورود بين أشواك حادة، اذهب وابحث عن نفسك وعن ورودك يا صديقي، فهناك -دائمًا- ورود تكفي الجميع.

Previous Article

طائرة الرعب.. كواد كابتر

Next Article

القدس.. نحن.. من نحن؟

Write a Comment

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨