أود أن أُعلمك أن هذا المقال هو رسالة عاجلة وموجهة، إليك أنت تحديدًا، فإما أن تعتبرها مجرد رسالة ليست جديرة بالقراءة كمثيلاتها من الرسائل غير المهمة في صندوق بريدك المشغول، أو أنك ترغب في أن تنجو بحياتك وتقرأ رسالة إنقاذك هذه؛ لأنك وسط حرب طاحنة، لكن بلا دماء أو أشلاء أو جثث ضحايا متعفنة كما ترى -عادةً- في الأفلام.
“كيف للكاتب أن يزجّ بك في حرب من وحي خياله بكل تملق؟ وكيف تكون هذه الحرب التي لا دماء فيها ولا أشلاء؟”، إذا جال في ذهنك أسئلة من قبيل الأسئلة المذكورة، فقد وصلت رسالتي للشخص الصحيح.
لاكتشاف هذه الحرب عليك أن تمعن النظر في واقعك من منظور آخر، ولكنك تحتاج نظارة الواقع خاصتي، ولا تنسَ قلمي فهو يومض ببعض الحقيقة التي قد تفي بالغرض.
أنت وسط الحقيقة الآن، وسط العالم الذي لا تعرف عنه الكثير، هناك في قارةٍ بعيدة دول تجرّم المساس بالحشرات، هي نفسها الدول التي تصمت عن التفرقة والتعذيب والقتل بسبب اللون أو العرق أو الدين، ودول أخرى تقرّ بأن عقوبة الخيانة العظمي للوطن لا تزيد عن بضع سنوات في السجن، ومن ثم يمكن للخائن الأعظم هذا أن يكون حرًا طليقًا من جديد، وفي نفس العالم! ولكن بعيدًا عن هذه الدول وقريبًا منك هنا في مجتمعنا يمكن أن ترى العجب، هنا عراة قُبح يجوبون البلاد من خلال شاشات الإلهاء الأكبر بدعوى الفن وحرية التعبير، وعلى نفس هذه الشاشات يمكنك أن ترى جهلاء يشككون -ليل نهار- في ثوابت دينية وأخلاقية لطمس هويتنا بدعوى التحرر والتشبه بالغرب اللطيف! ولا تنسى أن تلقي نظرة على صمت المجتمع عن القسوة والرجعية المنتشرة والتي لا يسعنا إلا أن نقف مكتوفي الأيدي ونشجب بقلوبنا فقط، وكأننا صم بكم عميانا لا نملك أقل القليل من الإرادة. هذا هو العالم الذي عليك الانتباه له، والذي إما أن تشارك في نجاة مجتمعك منه أو أن تقف عاجزًا كما هو حال الأغلبية.
ولربما تظن كما يظن البعض من جموع المنتمين إلى هذا المجتمع، أن العيب في ردة فعلهم وأن عليهم أن يكونوا أكثر انفعالًا واعتراضًا على كل شيء في هذا المجتمع، ولكنهم يرتكبون خطئًا لا يزيد المشكلة إلا تعقيدا وصعوبة؛ فبعد كل واقعة أو حادثة تخرق منظومة الإنسانية أو الأخلاق العامة، ينتفض المجتمع بقيادة هؤلاء المعترضين لمواجهة مثل هذه الحوادث التي تنتهك سقف الأخلاق أو الذوق العام للمجتمع!
والحقيقة أنه لا يكفي أن تكون المرجعية المتحكمة في ردود أفعالنا هي ميزان الأخلاق أو الذوق العام فقط، لأن منظومة الأخلاق العامة لا تزيد عن كونها مجموعة من الأمور المعنوية البحتة التي يتفق عليها أناس ويختلف عليها آخرون، وهذا ما يخلق حالة من التضامن مع الحدث السيء في كل مرة ينتفض المجتمع ضده، مثل ما حدث في الآونة الأخيرة من تعاطف مع صناع عملٍ فني ما والذي يتنافى تمامًا مع أخلاق المجتمع، بدعوى التحرر أو الفن، وهذه الموجات من التعاطف تسبب ضعفًا في منظومة الأخلاق لدى المجتمع، ومن ثم تزيد فرص انتشار التجاوزات الأخلاقية وغيرها فيه.
الأمر بات واضحًا الآن، التصرف وفق منظومة الأخلاق وحدها معيب ومنقوص، فأنت تسمح بخفض سور الأخلاق شيئًا فشيئًا، وتترك فرصةً لتلك الكلاب المفترسة أن تعبره بسهولة أكثر في المرة المقبلة حتى لا يبقى من السور شيء، فقط مجتمع مستباحة أخلاقه ومعايير انضباطه.
ولأن ميزان الأخلاق العامة غير عادل وغير كافٍ كونه قابلًا للتصدع، وأيضًا لا يمكننا إهمال أنه من صنع البشر الذين تختلف اتجاهاتهم وأهدافهم، فلابد من مرجعية ثابتة وآمنة لا تتأثر بانخفاض سور الأخلاق أو سقف الذوق العامَ!
وبالنسبة لمجتمع يتكون مما يقرب من مائة بالمائة من الموحدين، فلا أستطيع أن أرى مرجعيةً أكثر أمان من المبادئ الأساسية للدين، المبادئ التي لا يتحكم بها أصحاب الأجندات أو المصالح أو الأهواء، المبادئ التي لا تتأثر بالمكان أو الزمان أو الناس أنفسهم، وفي هذه الحالة تكون المعادلة بسيطة وفعالة، مجتمع من الموحدين يتبع مبادئ وضعها إلههم الواحد -سبحانه-.
ومن خلال هذا العرض المفصل بات واضحًا أننا في حرب ضروس بين المرجعية واللا مرجعية بين المبادئ والتوازن من جهة والفوضى والعبث من جهة أخرى، فإما أن ننأى بأنفسنا ومجتمعنا بعيدًا ونمر سالمين من هذه الحرب أو أن ننقاد وراء هذا العبث والإلهاء المقصود.
ووجب التذكير أنّ تمسكنا بالأصل وبالقيم لا يجعلنا ننصرف إلى التشدد أو الرجعية، فطريقنا وطريق الرجعية لا يجب أن يلتقيا أبدًا، لذلك علينا الانتباه إلى العملة التي نمسكها بأيدينا؛ فالمرجعية والرجعية لم ولن يكونا أبدًا وجهيْ العملة نفسها بل إنهما ضدان لا يجب أن يجتمعا.
إذًا يمكننا القول أن مشكلة مجتمعنا ليست في ردة فعله تجاه ما يخرق مبادئه، وإنما في المرجعية التي نبني عليها المبادئ نفسها، وأن أفضل مرجعية لمجتمع من الموحدين بإله هي المبادئ التي وضعها الإله -سبحانه-، وكذلك لابد أن ننتبه إلى أن سلاحنا هو المرجعية الصحيحة ولن يكون الرجعية بحال من الأحوال.
وتذكر دائمًا يا عزيزي أنك لست وحدك في هذه الحرب، فهنا إلى جانبك أنا وقلمي وآخرون مثلنا مؤمنون بضرورية ترسيخ المرجعية الصحيحة، وأنه ما زالت أمامنا فرصة لإنقاذ أنفسنا ومجتمعنا من فداحة هذه الحرب.
وفي الأخير لا يسعني إلا أن أشكرك على وقتك واهتمامك برسالتي المهمة.