أراني رجلًا بائسًا قضى لحظاته يبحث عن لحظاتٍ أخرى، وانتهى حاله لجسدٍ هزيل ينزف على الطريق العام؛ بعدما صدمته إحدى السيارات، يمر بجانبه المارة ينظرون له في شفقة. ليتني أستطيع أن أصرخ بصوت عالٍ أقول لهم أن تلك كانت لحظة سعادتي! لحظة لم أُرد أن استبدلها، ولكن مَن منا وهو على فراش الموت كان يفكر بمستقبل أفضل؟ مَن منا لم ينتقل إلى الماضي يُفتش به؟
تنظر إلى بداية الطريق، وتتعجب من وضوح النهاية التي تجاهلتها في كل لحظاتك! يقول شكسبير: “العمر لحظات لكن بعض اللحظات عمر”
موظف في البريد يقضي يومًا روتينيًا لكي يحصل على راتب شهريًا، يحاول به سد احتياجاته، أتذكر أنني كُنت آتي بأظرف بريدية لكي أكتب لزوجتي رسائل شاعرية عندما تغضب، فينتهي بها الحال ممزقة في سلة المهملات، كانت تعاتبني كل يوم على تضييع أموالي في الكتب والسجائر، تركت عادة شراء الكتب وإدماني للنيكوتين، ولكن تركتني زوجتي هي وأولادي أيضًا؛ ربما لم تكن المشكلة أبدًا في الكتب والسجائر، يقول صديقي لي: “كل ذلك بسبب عدم محاولتك في الحصول على مستقبل أفضل لهم”.
أنني لست طموحًا، وكنتُ أُردد بدوري: “السعي لم يشترط أبدًا حتمية الوصول، ماذا سيفعل السعي بجانب حظ مرير! أنه سوء حظ ليس إلا”
أجلس أمام التلفاز أعبث بهِ في شرود، لتتوقف يدي على محطة لقاء صحفي مع رجل ثري، يتحدث عن قصة حياته يقول: “أن أسهم البورصة لا يوجد بها نجاح حتمي، سوى أن تكون ذا حظ وافر، فأنا بقيت عمرًا كاملًا أبحث عن فرصة لحظة حظ لأستغلها؛ لذلك لابد للإنسان من أن يبحث عن لحظة حظه، ولا ينتظر فقط أن تأتيه”
حينها عرفت من أين أبدأ، أن أبحث عن فرصة حظي التي ستُعيد لي الكثير من الخسارات، وظيفة أخرى براتب أكبر ويضمن مستقبل أفضل؛ لأُقدم في إعلان لوظيفة مناسبة لي، وكنت قد تجاوزت كل عقبات الوظيفة، ما عدا أنني أزيد بسنة عن السن المطلوب، إنه الحظ العثر!
هكذا ظللت أبحث فوجدت طرق مسدودة، آمنت تمامًا أن الناس أمثالي فرصهم في الحياة قليلة -كما لحظات السعادة في حياتهم-؛ حتى جاء أمام عيناي منشور عن “مسابقة اليانصيب”، أن تشتري تذكرة وبعد شهر يتم إعلان الفائز بمبلغ مالي كبير، ادخرت المبلغ وذهبت لأشتري التذكرة، وانتظرتُ الإعلان وإذا بأنني لم أكن الفائز!
وبعد ذلك بدأت دورة جديدة من المسابقة، وفي المرة الثانية لم أكن أنا أيضًا الفائز، ومرات أخرى الفائز شخص آخر، أعددتُ خطة تلك المرة للهروب من حظي السيء؛ حاولت ادخار المزيد من المال لأشتري العديد من التذاكر، عسى أن يُصيب حظي إحداهن، ثم أصابتني الصاعقة أنني وللمرة الألف خسرت! ولكن ربما هذا هو البحث عن الفرص، حتى وإن لازمك حظ سيء ربما ستكون الفرصة القادمة فرصتك الخاصة في جائزة “يانصيب”.
إصراري على البحث عن فرصة ليست مجرد فكرة عابرة يسعى إليها الكثير، فلحظات حياتي كلها كانت سواء، كنت أبحث عن لحظة مختلفة تجعل لحياتي معنى آخر، أرجع إلى أسرتي، أنظر للحياة بنظرة راضية محبة، بدلًا من نظرة اليأس وقلة الحيلة.
فرصة أخرى أحاول بها، وأترقب أن تُكَلل بالنجاح؛ حتى أتى اليوم الذي أهدتني الحياة فرصتي الخاصة، لحظة من السعادة، هاهنا أنا اليوم “الفائز”؛ نظرت إلى الورقة مليًا وأكاد أجن! لا أُصدق عيناي، فكرت كثيرًا في ألف خطة استثمر بها الجائزة؛ لأخلق لحظات جديدة من السعادة، سعادات بسيطة لطالما حلمت بها، كتب، عائلة، ومستقبل مختلف؛ كنت أمشي في طريقي وكل لحظة أنظر إلى الورقة في يدي، إنه يوم حظي! ثم يتهاوى جسدي بالسماء ويرتطم أرضًا بأقل من لحظة؛ لاحقني الحظ العثر مجددًا!
سمعت همهمات حولي، لكن ما وصلني بوضوح هو قول أحد المارة يضرب كفه على الآخر قائلًا: “حد يطلب الإسعاف يا جماعة الراجل بيموت”؛ ليتضح أن السيارة صدمتني؛ حملني بعض الناس إلى المستشفى، كنت أظن أنها لحظاتي الأخيرة، أردت لو فعلت قبلها الكثير من الأشياء، وجدت يدي فارغة من “ورقة اليانصيب”.. وجدت حياتي فارغة من لحظات تُذكر!
أزعجتني شمس الصباح؛ لأنظر حولي أجدني في غرفة بيضاء، وأجهزة المستشفى حولي، لا زالت حي! فُتح الباب لأجد زوجتي وأولادي، أصدقائي في العمل، بعض الأقارب، جميعهم يتوالون في زيارتي والحديث معي. بعد فترة تحسنت الأوضاع، وجدت وظيفة أخرى أفضل من وظيفتي، لم تعد تتشاجر زوجتي على الكتب والسجائر، حتى أنها في يوم قرأت رسالتي البريدية وابتسمت بدلًا من تمزيقها والسخرية منها، واليوم أنا الفائز في إحدى مسابقات “اليانصيب”.
خرج الطبيب من غرفة العناية المركزة قائلًا للزوجة بأسف: “المريض في غيبوبة”.