يُعد الجامع الأزهر واحدًا من أعرق المعالم الدينية والتعليمية على مستوى العالم، يفد إليه الطلاب رغبةً لعلومه الشرعية والإنسانية؛ حتى يصبحوا سفراءً للعلم في أوطانهم. فما هي أبرز وأهم المحطات التي مر عليها الجامع الأزهر؟
“النشأة”
بُني الجامع الأزهر في جنوب شرق القاهرة على يد القائد جوهر الصقلي، في عهد الخليفة الفاطمي المُعز لدين الله؛ لخدمة الدعوة الفاطمية بمذهبها الشيعي، وهو أول جامع في مدينة القاهرة، حيث بُني بعد بناء القاهرة بعام واحد، وكان يُعرف بـ”جامع القاهرة”.
“ملامح العمارة الأولى”
كان الهيكل الأصلي للجامع الأزهر (85) مترًا في الطول و(69) مترًا في العرض، أي أن مساحته الأولية حوالي (6000) متر مربع. كان تخطيطه الأولي عبارة عن صحن مكشوف تحيط به ثلاثة أروقة، وقاعة صلاة مع خمسة ممرات، مع انحراف طفيف في جدار القبلة. كما بُنيت ثلاث قباب في البداية لم يبقَ منها شيء، بينما يُعد المحراب الفاطمي المكتشف عام (1933) أبرز ما تبقى من زخارف تلك الحقبة، ويتضمن آيات قرآنية ما تزال محفوظة، مثل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:1–3]
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 0-0].
وتم الإنتهاء من بناءه خلال (27) شهرًا أي ما يقارب العامين، و سُمي بالأزهر بعد الفراغ من بناء قصور الملوك الفاطميين التي كانت تُعرف بالزاهرة، نسبةً إلى السيدة فاطمة الزهراء ابنة رسول الله ﷺ، وتم افتتاحه للصلاة يوم الجمعة (7) رمضان (972م/361هـ)، وحظي في ذاك العصر بعناية كبيرة من الخلفاء الذين زينوه بالفضة والزخارف ووفروا له الكتب ورواتب العلماء وكل ما يحتاجه الطلاب، وأتاحوا الدراسة فيه مجانًا للوافدين دعمًا لدعوتهم.
“صَلاح الدين”
وانتهت علاقة الأزهر بالمذهب الشيعي بنهاية العصر الفاطمي على يد الناصر صلاح الدين الأيوبي، وعُطِلت صلاة الجمعة به لما يُقارب قرنًا من الزمن بهدف إضعاف رمزيته الشيعية كعلم للدولة الفاطمية، كما تم إنشاء مدارس تابعة للمذهب السني لتدخل في منافسة مع الأزهر بنشر الرسالة العلمية السنية. وبحلول العصر المملوكي، شهد جامع الأزهر تحولًا كبيرًا واسترد رونقه، فبدأت إقامة صلاة الجمعة بداخله مرة أخرى.
“قِبلة النضال الوطني”
وفي العصر العثماني حافظ الأزهر الشريف على قوته العلمية والدينية وبرز منصب شيخ الأزهر، كما لعب دورًا وطنيًا مهمًا في مقاومة الحملة الفرنسية على مصر وحملة فريزر، والمشاركة في الثورات والأحداث الوطنية حتى القرن العشرين، مثل ثورة القاهرة الأولى ضد الحملة الفرنسية حين كان مركزًا رئيسيًا لقيادة المقاومة الشعبية ومساندة الحركة الوطنية في مواجهة الاحتلال.
ومع تعاقب الأزمنة، شهد الأزهر توسعات وتعديلات عديدة؛ فأضاف المماليك مآذن مميزة، وأقام العثمانيون بوابات جديدة، كما أُعيد بناء بعض العناصر عدة مرات. أصبح المدخل الرئيسي الحالي هو باب المزينين المؤدي إلى فناء رخامي، وتحيط به منشآت مملوكية مثل: المدرسة الأقبغاوية والطيبرسية وباب الجندي، الذي يقع هذا الباب في الناحية الشمالية الغربية ويؤدي مباشرة إلى صحن الجامع، وقد بناه السلطان المملوكي قايتباي عام (1479م) كمدخل مميز، وتعلوه مئذنة دقيقة الصنع تعد من أبرز مآذن الجامع الأزهر.
واليوم.. الجامع الأزهر له ستة محاريب، ومنبر واحد، و(8) أبواب، و(5) مآذن، وبه أكثر من (380) عمودًا من الرخام، وتبلغ مساحته (12) ألف متر مربع. وبهذا امتزجت في الأزهر أنماط معمارية متعددة كوَّنت طابعه الفريد، وجعلته بعد ذلك نموذجًا مؤثرًا في العمارة الإسلامية.