ناجي العلي.. منبع صوت الحرية

في قرية الشجرة التابعة لطبريا، فَتح “ناجي العلي” مُقلتيه على الدنيا، لم تكن بداية دراسته في مدرسة القرية هانئة كالبقية؛ فسرعان ما احتل العدو قريته، فهاجر بعدها مع عائلته قِسرًا للجنوب اللبناني.

“أقل مطالب الحياة”
كانت “بنت جبيل” هي مرساهم الأول، حالفه الحظ هو وأهله حينما وجدوا لهم مرسى في “عين الحلوة” شرق مدينة صيدا -التي قابل بها رفيقة دربه- كان صديقًا لأخيها وأحبته بعد الزواج قولًا منها أنه إنسانا ممتاز، أنهى دراسته الإبتدائية بمدرسة اتحاد الكنائس المسيحية وعندما حصل على شهادة السرتيفيكا توجه للعمل في البساتين ولم يلبث بها كثيرًا، سافر إلى طرابلس اللبنانية، عمل بأماكن عديدة بميكانيكة السيارات بعد نجاحه عام (1953) وعودته لبيروت، ثم ذهب للمملكة العربية السعودية عام (1957) حيث ظل يعمل سنتين في هذه المهنة وكان يرسم بأوقات فراغه، وأخيرًا نجح في بناء غرفة لعائلته داخل المخيم من الطوب والحديد وكانت بمثابة أمل صغير لهم بالعيش الكريم.

“مناهضة فِكر”
التحق عام (1959) بالأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة -نظرًا لموهبته-؛ ولكنها لم تكن بداية جيدة، اُعتِقل مرات عديدة خلال هذه السنة في ثكنات الجيش اللبناني؛ لانتمائه لفِكر حركة القوميين العرب ولكن أيضًا استُبعِد من الحزب لعدم انضباطه في العمل الحزبي، ولم تنتهِ قصته هنا؛ إذ أنه وجد عملًا ألا وهو تعليم الأطفال بـ”المدرسة الجعفرية “.

“بزوخ فَجر الأمل”
لم يقف حلمه عن التنفس خصوصًا عندما قام الأديب والصحافي الفلسطيني “غسان كنفاني” بنشر أول لوحاته بمجلة “الحرية” عام (1962) بعدما أطلع على لوحاته في زيارته لمعرض رسومات في مخيم “عين الحلوة” وأصبحت رسوماته تنتشر من ذلك الحين على صفحات هذه المجلة. ساعده “غسان كنفاني” على السفر للكويت عام (1963)؛ ليعمل محررًا ورسامًا ومخرجًا صحفيًا بمجلة “الطليعة”، وعام (1966) عاد إلى لبنان حيث عمل بمجلة “الحرية”، ثم اتجه للكويت مرة أخرى ليتابع عمله بمجلة “الطليعة”.

“خروج الأنين المكتوم للنور”
توقف مؤقتًا سنة (1968) وتفرغ لرسم الكاريكاتير بصحيفة “السياسة” الكويتية وفي هذا الوقت ابتدع شخصية “حنظلة” بموطنه، ذاع سيطها على النطاق العربي عندما صدرت جريدة “السفير” اليومية ببيروت مارس (1974). منذ ذلك الحين أصبحت الشخصية بمثابة توقيع على جميع رسوماته فكانت كما كتب عنها: “كالبوصلة بالنسبة لي، وهذه البوصلة تشير دائمًا إلى فلسـ.ـطين”.
كتاباته كانت لاذعة، حيث لعب بجملة “بيروت خيمتنا الأخيرة” لتكون: “محمود خيبتنا الأخيرة” وهذا عندما استعد الشاعر الراحل محمود درويش محاورة كُتَّاب الكيان بإدعاء “اختراق جبهة الأعداء”.

“معنى الشخصية”
تشير شخصية “حنظلة” -والتي تعني الطعم المُر- لطفل فلسـ.ـطيني عاقدًا كفَّيْه خلف ظهره رافضًا الالتفاف؛ اعتراضًا على تخاذل جميع الدول العربية حيث كان موقف ناجي صارمًا من التطبيع، لدرجة أنَّه وصف الظهور العربي في وسائل إعلام المُحتل بـ “الخيانة”، وكان عادة ما يقول عن المتطبعين: “لا يستحقون إلا اللعنة والقذف بالحجارة”، بالإضافة لتفاصيل الشخصية الأخرى كترقيع الملابس المتقطعة إشارةً لِأنه على الرغم من المأساة فإن النفس الفلسطينية عزيزة تأبى الانحناء لغير الله، هذا الطفل بكل الصور رغم مرور الوقت ما زال صغيرًا بعيدًا، رغم أنّه يشير لحالة كثير من أطفال فلسـ.ـطين إلا أنَّ الهدف الأكبر يكمن في رفضه للنمو حتى يعود السلام لوطنه من جديد.

“دفن صوت العدل”
انضمَّ “ناجي” عام (1983) بعد اجتياح لبنان لأسرة تحرير صحيفة تسمي “القبس” الكويتية حتى قررت الحكومة ترحيله بعد سنتين عن أراضيها سنة (1985) للندن، فبدأ يعمل بصحيفة “القبس” الدولية؛ لكن سرعان ما تم قتل صوت الحرية بيوليو عام (1987) فأُطلِقت النار على “ناجي” بواسطة شاب مجهول الهوية، فأُصيب تحت عينه اليمنى وظل بغيبوبة حتى تُوُّفِّيَ في شهر أغسطس ودُفِن بمقبرة “بروك وود” الإسلامية بلندن.

رغم أنَّ السبب مجهول وراء هذا الاغتيال إلا أننا نعلم جميعًا لماذا يُقتل هؤلاء الأبرار.. الرحمة على روح الحر الشريف “ناجي العلي”.

Previous Article

فاضل البنداري.. بجميع دور العرض

Write a Comment

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨