في الصعيد “الجواني”، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الرجال، ولا شرف أرفع من إنجاب الذكور… هناك في أبنود إحدى قرى محافظة قنا وفي (11) أبريل عام (1938)، ظهر الذكر الموعود.. الخال عبد الرحمن الأبنودي، في بيئة ساعدته على شق طريقه نحو الشعر، فكتب عن كل شيء ولم تخلُ قصائده من نون النسوة، فعبر فيها عن مدى امتنانه وتأثره بشخصيات النساء في حياته ليخرج لنا قصائد مثل “يامنة”، “جوابات الأسطى حراجي القط” وغيرها، فنساؤه سر إلهامه بداية من فاطمة قنديل.. أمه، حتى آية ونور.. ابنتيه.
“الطفولة بين أحضان قنديله”
بين خمسة أولاد وبنت كان للأبنودى نصيب الأسد من شخصية والدته فاطمة قنديل وروحها الشجاعة، شب بين أحضانها وهي تغني المواويل الصعيدية؛ فحفظها منها لتبدأ موهبة الشعر تتكون بداخله، سمعها وهي تغني لكل طقس وحدث، فإذا مرت جنازة من أمام الدار ترش قنديلة الشارع بالماء تحسبًا أن تهرب الروح من النعش، وتدخل الدار فإن حاولت تنزلق بفعل الماء، وإذا أصابت الحمام “فرة”، تلبس الأبيض هي وولدها عبد الرحمن وتردد بعض الأغاني الخاصة وتطلق البخور، يقول الأبنودي عنها: “كنت عايش في أساطير”.
“المتعاطف الحامي”
“وأمى.. والليل مليل.. طعم الزاد القليل
بترفرف.. قبل ترحل.. جناح بريشات حزانى
وسددت ديونها.. وشرت كفن الدفانة
تقف للموت يوماتى: “ما جاش ابن الجبانة”.
هذا الرقي والتقدير للمرأة الذي يتحلى به الأبنودي إنما هو نابع من تأثر وجداني عميق وتفاعل مباشر مع ألم أمه “فاطمة قنديل” فقبل زواجها من والده تزوجت وهي قاصر بعمر الـ (9) أو الـ (10) سنوات برجل كبير في السن، وهي لا تعرف معنًى للزواج ولا حتى للرجال إلا في عبارتين “الحجي يا فاطنة أبوك إجى” فتسرع إلى دار والدها، وبعد أن تزوجت “ألحجي يا فاطنة جوزك إجى” فتسرع إلى دار زوجها.. تاركة الأطفال من ورائها يلعبون، ورفضت وضعها هذا وهربت.. حتى خضع أهلها لرغبتها وطلقوها.
يقول عنها الأبنودي “بيتهيقلي فاطمة قنديل أول واحدة في التاريخ تثور، أول واحدة تقول لأ!”
“فاطمة قنديل الغالية هى التي من أجلها أنثوا القنديل وسموها “قنديلة”
عندما نسمع الأبنودي يتحدث عن أمه نرى عجوز بكلمات طفل يتحدث عن مثله الأعلى أو بطله الخارق، لم يدع الأبنودي مدحًا إلا ووصف به أمه: “فاطمة قنديل بيضة وحلوة مش زي”، “فاطمة قنديل دي محاربة”، “أمي وهي تسرح شعرها والشمس تضوي عليه.. بتبقى أسعد لحظات حياتي”، حقًا فاطمة قنديل فاقد الشيء الذي يعطيه.
“دلوك بس ما فكرت ف يامنة وقلت: يا عمة؟؟ حبيبي أنت يا عبد الرحمن.. والله حبيبي.. وتتحب. على قد ماسارقاك الغربة.. لكن ليك قلب.”
على بعد كيلو تقريبًا من بيت الأبنودي يقع بيت يامنة “عمة الأبنودي”، وخلفه القناية التي كان يقضي فيها الأبنودي معظم الصيف يسبح فيها مع الأطفال، وعندما يشتد به الجوع يطرق باب يامنة ليأكل، يصفها دائمًا بالخير، لديها نخل مثمر جميل في ساحة منزلها يأكل منه الجميع.. حتى عندما يأتي الفيضان، يمتلىء الحوش الخلفي للدار بالماء محملًا بالأسماك من جميع الأنواع، وبكل الأحجام والأشكال، فيأتي أهل القرية كلهم يأخذوا منها السمك.
“يامنة الخير”
آخر ما تبقى من ريحة الأبنود هي يامنة، مات الجميع وبقيت هي حتى أن بناتها ماتوا وظلت تتألم لفراقهم طيلة حياتها، وهذا ما دفعها لتقول للخال: “إذا جاك الموت يا وليدي.. موت على طول”.
يامنة الشجاعة، الخيرة، القوية.. لم تفعل أي شيء في هذة الدنيا سوى أنها كانت يامنة.. فكتب عنها الأبنودي واحدة من أروع القصائد التي أضافت لشعره حالة إنسانية جديدة، وأكسبت يامنة العالمية والخلود في أذهان قلوب الناس.
“حلوة مرتك وعويْلاتك.. ولاّ شبهنا؟”
شاعرنا الذي يشبه طين الأرض -خصب، أصيل، ومليء بالحواديت- أخذته الحياة حتى شاخ جريده ولم يتزوج بعد نعيمة -وهي زيجة عابرة-، كان لديه طالبتان، يناقشهما ويعيرهما الكتب، يكبرهما بحوالي (20) عام في مرة من المرات رأت فاطمة قنديل إحدى الفتاتين فقالت له: “والنبي البت حلوة وبيضة، ما تتجوزها يا عبد الرحمن” قالتها فاطمة قنديل وإذا ببركان المشاعر ينتاب الأبنودي ما بين استنكار، وتردد، وتطلع
وسأل الفتاة: “تتجوزيني يا نهال؟” قالت:” آه”.
“ذئب أسود بقلب أبيض”
تزوج الأبنودي نهال كمال تلميذته التي يكبرها بأكثر من (20) سنة وقامت الدنيا وقتها ولم تقعد، كيف لشاعر مثل الابنودى أن يفعل هذا؟ كيف تسول له نفسه أن يتلاعب بالشابات؟ ووصفته الصحافة حينها: “بالذئب الأسود الذي أراد نهش قطعة اللحمة البيضاء” لكن مع مرور الوقت، اختلف كل شيء بعدما تبينت نوايا الأبنودي من هذه الزيجة؛ فهللت الصحافة “ونعم الرجال، حسن المعاشرة، وصادق”
أما الخفي من حياة الزوجين فقد كان كالظاهر جميل ورقيق وصادق، فيصف الأبنودي زوجته بالطيف الجميل الذي يطمئنه ولا يعكر عليه صفو تأملاته الشعرية، عاش معها أحلى أيام حياته وأكثرها ونسًا، كأي زواج في بدايته كان به اختلافات في ثقافة وشخصية كل فرد؛ لكن الجميل في الأمر أن نهال كمال والأبنودي وصلا لحل وسط فكما قالت نهال كمال زوجته: “عبد الرحمن سريع في كل شيء وأنا رتمي بطيء فيدوب الـ(20) سنة دول عشان أعرف أواكب سرعته”.
زوجين مختلفين تمامًا من يراهم يقول “أي لم الشامي على المغربي؟” لكن في نهاية المطاف أصبحوا خير مثال لحسن المعاشرة واللطف والتأقلم.
“وأنت عجوز خلَّفت يا أخوي؟ وبنات!
أمال كنت بتعمل إيه طيلة العمر اللي فات؟”
تزوج الأبنودي وخلف بنات! ليضيف على قائمة النساء في حياته: آية ونور ابنتيه، اللتين أضفن الكثير لحياته فهن “حاجة من ريحته على الأرض” ليختم حياته بزهرتين تحملان اسمه وتحفظان شعره، كلما رأهم الناس رددوا “اللي خلف مامتش”!
“أول مايجيك الموت.. افتح
أو ماينادي عليك.. إجلح
إنت الكسبان!”
أبريل اتولد.. وأبريل مات!
توفى الأبنودي شاعر العامية في (21) من أبريل عام (2015) عن عمر يناهز (77) عام بعد صراع طويل مع المرض تاركًا ورائه خلف وفن، وسيرة طيبة.. لا تموت.