“هنا فلسطين.. هنا القدس.. هنا مكث أنبياء ومر آخرون، هنا بدأ التكليم لموسى وميلاد عيسى ومعراج محمد -عليهم جميعًا الصلاة والسلام-.
أعزائي المستمعين..على هذه الأراضي المقدسة حُشدت جيوش وأريقت دماء وضحى الآباء والأجداد؛ لكي يكتب في فصول التاريخ هزيمة جالوت وخزي الصليبيين وانمحاء خطر التتار الوحشيين.
أيها العرب..إنما نحن امتداد للآباء والأجداد الذين سبقونا في الكفاح من أجل بقاء القدس وبقاء الهوية العربية، ومن مقعدي هذا ومن رجل لم ينل شرف أن يكون من قاطني هذا البلد المقدس، أودّ أن أقول ما ينبض به قلب كل عربي، “هنا القدس”؛ لذا دمتم على العهد يا رجال”.
كان هذا خطابًا من إحدى الإذاعات العربية في عام (1948)، خطاب ينم عن واقع العرب في القرن الماضي، متحدين في الهوية والعقيدة، ومتضامنين كل التضامن مع القضية الفلسطينية، يجمعهم هدفهم واحد، وعدو واحد.
وبعد ما يقرب من سبعة عقود على غرس أخبث نبتة في التاريخ، أصبحنا نجد من بيننا من الفئات الضالة من يزعم بخطأ أهل فلسطين في موقف سياسي ما وأنه نتيجة لهذا لا يستحقون منّا التضامن والدعم، وأنه على إثر ذلك قد ضاع حقهم وانتهى! وهناك من يسأل عن إمكانية تصديق رواية الصهاينة كونها -في نظرهم- أكثر منطقية بشكل أو بأخر، وآخرون أصبحوا يتحدثون كما لو أنهم ليسوا من العرب وأن هذا الأمر لم يعد هامًا؛ بل وظهر من حيث لا ندري مهاجمين عرب للقضية الفلسطينية!
من أين ظهر هؤلاء، وكيف تركنا هذا الفكر يتوغل ويصل إلى أفكار فئات من مجتمعاتنا! هؤلاء العرب الذين نسوا تاريخهم وفقدوا هويتهم؛ بل ومنهم من انصاعوا خلف مصالح سياسية ومادية، العرب الغير مؤمنين بنظرية المؤامرة، أو لا يرون أهمية كبيرة للقدس وفلسطين، وهنا نستحضر الفكرة المستقبلية للكاتب “عبد الوهاب المسيري” عن ظهور عرب يحلون محل الصهاينة -وظيفيًا- يقومون بالصفقات ويدفعون الأموال ويجابهون القضية، يمشون بيننا مدعين الهوية؛ ولكن هيهات هيهات تفضحهم الوظيفة!
ظهر هؤلاء نتيجة إهمالنا جوهر قضيتنا، فلم نعد متحدين كما كنّا، ولم يعد مفهوم الهوية كما كان؛ بل وصارت المقاومة العربية لا تزيد عن كونها بضع كلمات رنانة.
وكيف لا نفقد المعاني الحقيقية للمقاومة وقد كف الأباء عن تأصيل العروبة في قلوب الأبناء وأصبح همهم أشياء مادية زائلة -نتيجة الفقر وضيق الأحوال أو حتى نتيجة منطقية للغني الذي يؤدي أحيانا إلى التطلع محاكاة الغرب في الخصال والعادات-. كيف لا نفقدها ومدارسنا ومناهجنا لم تعد تناقش القضية بالشكل الذي يوقظ عقول أبنائنا، كيف لا نفقدها وقد أصبحت الإنتاجات التلفزيونية والإذاعية بعيدة كل البعد عن الصراع في القدس وعن المقاومة؛ بل وأصبحت بعيده عن مفهوم الهوية -نفسها-.
ولكن ما العمل! هل نترك فاقدي الهوية يهدمون ثوابتنا أم ننبذهم ونترك جانب العدو يزداد عددًا وأفكار؟
ربما يسعدني -قليلًا- أن أرى منشورات تعاطف ودعم وتضامن على مختلف منصات التناغم الاجتماعي، وربما تكون الصورة -التي نصنعها من خلال هذه المنصات- مغايرة للتضليل المبين المنتشر عبر محطات ومنصات تخدم الصهيونية العالمية؛ ولكن هذا الدعم -الذي نرغب أن يكون دائمًا ومستمرًا- ليس كافيًا لتغيير مسار القضية، ليس كافيًا لتكوين أرض صلبة وصفوفًا موحدة تجاه هدف واحد، إنما لَا بُد من إيجاد حلول جذرية للمشاكل التي أصبحت أشواكًا في ظهر العروبة. لَا بُد أن نبدأ من حيث بدأ الشيطان؛ الذي بدأ بزعزعة الوحدة العربية، الشيطان الذي يصور لبعض ضعيفي الإيمان أن القوة في الأسلحة التي نشتريها فيقتل بها بعضنا بعضًا، الشيطان الذي صور لبعضنا أن الانعزال هو الاستقرار بعينه، وأن الهروب من المشكلة هو أسهل الطرق للخلاص؛ لذا لَا بُد أن نوحد أفكار واتجاهات الشعوب العربية نحو عدو واحد وهدف واحد، ولا يمكن توجيه تضامن شعب نحو قضية قومية دون أن نعزر انتمائه لبلده نفسه أولًا، لَا بُد لكل عربي أن ينتمي إلى وطنه كل الانتماء، وأن يعلم أن كيانه من وجود كيان لبلده؛ حينها يسهل إقناعه بأن هذا الكيان تحت تهديد عدو ما ولَا بُد من مواجهته.
وهذه الخطوات الهامة تجاه تغيير أيدلوجيات العرب، تحتاج إلى تأصيل هذه الأفكار والأيدلوجيات بالعلم؛ لذا فإنه من الضروري أن نخطو خطوات فعلية لجعل المناهج الدراسية -في كل الدول العربية- تحتوي على مناهج دسمة تزيل صدأ الشائعات والأفكار التي تنمي التخاذل، ولَا بُد لهذه المناهج أن تصقل في أبنائنا مفهوم الهوية، وبالتبعية تضيء الطريق نحو فهم أهمية القضية الفلسطينية للعرب جميعًا.
وكما كان في الأجيال السابقة؛ فإنه لَا بُد للعائلة أن تؤدي دورها في تأصيل أهمية القدس في نفوس أبنائنا، وكذلك في تفسير مدى منطقية كرهنا للعدو المستوطن، فدائمًا ما للآباء والأمهات تأثيرًا جليًا على وعي الأبناء. ولا يجوز أن نتكلم عن طرق توجيه وعي الشعوب وننسى الوسيلة الأهم والطريقة الأعمق تأثيرًا على البشر عمومًا وعلى العرب بصفة خاصة؛ يجب أن نركز على إيقاظ عقائد العرب من ثباتها في المسلمين والمسيحيين وحتى اليهود الذين أفاقوا وكرهوا التصهين يكنون للقدس المكانة العظيمة، فالقدس بالنسبة للمسلمين تسبق أي مكان مقدس آخر زمنيًا، فهي كما ذكرنا آنفًا “أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين”، وإليها أسرى بالنبي، ومنها عرج به إلى السماء، أما المسيحيين فكانت ولا زالت القدس أرض الحج ومولد النبي عيسى -عليه السلام-.
وإذا أردنا أن نسلك طرق إصلاح وعي وعقيدة المسلمين، يجب ألا ننسى التذكير الدائم بتاريخ العرب وتاريخ القدس وتاريخ القضية، وهذا الجانب من ثقافة الناس يمكننا تصحيحه من خلال الكتب والروايات المكتوبة، وكذلك يجب للإنتاجات الفنية والأعمال التلفزيونية والسينمائية أن تعود إلى دعم القضية الفلسطينية،
يمكننا عرض التاريخ من الزاوية التي تحيي ذكرى كل شهيد وتذكرنا بما كانت عليه قدسنا وما آلت إليه الأمور، فهذا شاعر يلقي قصيدة في رثاء أحد أبطال القضية، وذاك مشهد يبكي أسرة عربية على ما حدث في إخوانهم في القدس وغزة والضفة الغربية، وهنا أيضًا مقال يحرك المياه الراكدة في عقول وقلوب القراء.
وإن صح القول فإن جهاد الفلسطينين في الداخل يلزم أن يدعمه جهاد العرب أجمعين من الخارج إلى أن يلتقوا جميعًا في قصر كبير تطل شرفاته على العالم؛ قصر يمتد من بئر سبع مرورًا بالخليل وغزة ورام الله وينتهي بعكا وصفد. وإن كانت أرواح العرب لا تحتاج إلى داخل أو خارج لتلتقي فهي في نفس الفضاء النقي منذ أن كتب أنهم عرب.
ويقيني أنه إذا أصلحنا هذه الأبواب وركزنا جهدنا على أفكار وعقيدة أبناء الوطن العربي، فمؤكد حدوث أحد أمرين إما أن نقضي على العدو المستوطن نهائيًا، أو على الأقل نكون قد ضمنا توحيد صفوف العرب؛ وحينها فليبحث الغرباء عن مخبأ في غير هذا الوطن وغير هذه الأرض يعصمهم من صحوتنا.
إخوتي العرب عليكم أن تسألوا أنفسكم سؤالًا مهمًا وأزليًا، نحن..من نحن؟ ومؤكد أنه في يوم ما سنجد الجواب، جواب كفيل بأن يعيد خريطة العالم إلى ما كانت عليه، تُظهر بستانًا من الورود جنوب الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وبستانيين من المحيط إلى الخليج.