عني وعنه وعنا جميعًا

بعد تصفحٍ حذر على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب كثرة الأحداث السلبية، استقبلتُ فجأة خبر وفاة الشاب أحمد مصطفى -ذو الوجه الحسن- ببرودٍ غريب وفتورٍ غير مفهوم. وجدت بعدها أحد مقاطعه أمامي، أغلقت الهاتف وبقيت في حالة فتور فترة، أحدق في سقف غرفتي؛ حتى استوعبت الحقيقة المُطلقة التي يتفق عليها الجميع: “بغتة الموت”.

تلك “البغتة” التي يعرفها قلبي ويفهمها عقلي، فقد ذقتها على فتراتٍ طويلة، ورغم ذلك كانت تفاجئني في كل مرة، فهي “بغتة”، حتى وإن كانت المرأة جَدة، فموتها بغتة، وإن كان الأب مريضًا، فموته بغتة، لا أعرف أهي بغتة لأننا ننسى الموت ذاته؟ أم بسبب أملنا الزائد لخلودٍ في الدنيا رفقة أحبتنا؟ أم لأننا نُسَكِّن أنفسنا بفكرة أننا قد نموت قبلهم.. قبل الأم وقبل الأب؟ ألذلك سُميت بغتة؟

بعدما طال نظري لسقف الغرفة، تذكرت يوم وفاة جدتي الحبيبة، كان بيتها في حارةٍ قديمة، وقتها.. اقتربتُ من المنزل حتى علا صوت البكاء، ظننتُ -للوهلة الأولى- أن من مات شخصًا آخر غيرها، رغم مرضها بالمرض الخبيث وأخذ جرعات الكيماوي! فكان موتها أكبر “بغتة” قابلتها في حياتي.

{فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: ٣٤]
مسحت بعض الدموع الهاربة، ورأيت حداثة نشاط “أحمد” على صفحاته الشخصية؛ يشارك المنشورات، ينشر بعض القصص. كانت حياته تمضي بطبيعتها قبل لحظات، الأمر الذي أحزن قلبي كثيرًا، لا يختلف أحمد -ذلك الشاب بشوش الوجه- عنِّي وعنَّا جميعًا؛ نسعى ونرفع سقف طموحاتنا، نحقق بعضًا منها ويعاندنا البعض الآخر، نعيش وننسى الحقيقة المطلقة.

ننسى بسبب لهو الدنيا الذي يجعل رفاهية الوداع صعبة أو حتى معدومة، العديد من الأمنيات المُعلقة: سأزور أقاربي، سأصلح علاقتي مع أبي وسأحرص على أخذ الكثير والكثير من الصور مع أصدقائي. نأمل ونستغرق في الأمل دون تحقيق فعلي، منتظرين ببطء -دون وعي- تلك “البغتة”، حتى تُفاجئنا مرة أخرى كالمعتاد.

والآن.. خَلت صفحات أحمد الشخصية من بصماته، وغالبًا ما سيتوقف نشاط علامته التجارية؛ ولكن سيبقى عمله الصالح. أكتب هذه الكلمات، وما زلت أتذكر صوته وهو ينصحنا بقدوم الشهر المبارك، ذلك هو عمله الباقي.. وذلك عمله الذي سيُجزى عليه.

وقريبًا.. ستخلو ملابسنا وبيوتنا من رائحتنا، وغالبًا سيعلو التراب فوق شهادتنا الجامعية؛ ولكن سيبقى عملنا الصالح، وأذكركم مع اقتراب الفصل الدراسي الثاني ببعضٍ من كلام أشرف الخَلق محمد ﷺ: “أتاني جبريل عليه السَّلامُ فقال: يا محمد! عِش ما شئت فإنك ميتٌ، وأحبِبْ من شئت فإنك مفارقُه، واعمَلْ ما شئت فإنك مجزِيٌّ به”. حسَّنه الألباني.

Previous Article

سفيرنا إلى الوعي الإنساني إدوارد سعيد

Next Article

صوت أربك الرواية.. غسان كنفاني

Write a Comment

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

اشترك في النشرة الإخبارية عبر البريد الإلكتروني للحصول على أحدث المنشورات التي يتم تسليمها مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
Pure inspiration, zero spam ✨