كان يعرف معظم القابعين فيه.. الهاربون من أسى الحرب، هو وزوجته يأتونه على مهلهم لينعموا بهواءٍ نقي ولحظة صفاء، فاتورة يقطعون لها شوطًا كبيرًا ليقدروا على الاستمرار. على يمينه يجلس صحفيون يعرف بعضهم.. منهم مصور استأذنه مرة أن يلتقط له صورة مع زوجته، ومنهم شباب يتصلون بالعالم الافتراضي فهو أكثر أمنًا، وفنانة تستعير من البحر لونًا للوحاتها، وبضع عائلات نصف مكتملة.. كلهم هاربون من سجن الخيام وملحقاته!
كان من المقاهي القليلة المتبقيَّة التي تصلهم بالحياة.. الحياة التي مضغتها أنياب الحرب. يكفي أنه يطل على البحر، ما إن جلس أمامه شعر أن أجنحة التصقت به وأنه سيطير! لولا أزيز الطائرات من بعيد وعلمٌ أحمق معلق على سفينة، تُشير له زوجته بغيظ فيشكر ربه أن بصره ضعيف وأنه لم يعد يمده للأفق.. ألم يكفِ الواقع القريب! يعرف هذا المقهى منذ شبابه.. كان يلعب فيه مع أولاده، يُشكلون أجسامًا مِن الرمال سويًا، وقتها لم يكتفوا بساندوتشات والدتهم بل كان يأخذهم للطابق العلوي ليأكلوا فيه؛ لكن أين هم الآن؟ رُحِموا من وطأة الذكريات وقلة الطعام!
طلبوا قهوة كالمعتاد، فالمشروبات الساخنة هي المتاحة فقط في قائمة المقهى. زوجته شاردة في البحر تُبادله كلماتٍ بسيطة كلما نظر إليها، هاجمته الذكريات فأخمدها بالتأمل في وجوه الناس، طفل يصرخ لينزل البحر فيرد عليه والده: “يا بابا تبرد لو نزلت وتجوع أكثر”، البعض منهمكون في هواتفهم وآخرون يدرسون رغم كل شيء، والكثير يتأمل ويتذوق القهوة مع الهواء النقي، آه لو أن الهواء يُعبَّأ في أكياس! فيأخذونه ليُجددوا هواء الخيام منتهي الصلاحية.
الجو هادئ.. جالب للنوم إلى حد مريب! رغم قلقه استسلم وغفا دقيقة فأيقظه صوتٌ شديد، تطاير النوم من عينيه لمعرفته بهذا الصوت.. وجد نفسه مرميًا على الأرض ينزف آهات، وكأن كرسيه البلاستيكي لم يكن! أما زوجته فانقطع حديثها للأبد.. كرسيها البلاستيكي بخير لكن هي لا. المقهى الخشبي لم يعد صامدًا.. أصبح رمادًا! وكل الباحثين عن الحياة وجدوا ضالتهم أخيرًا، البحر تعاقد مع الموج ليرمي الأشلاء لتُدفَن، حتى الصغير ووالده نزلا البحر!