منذ فجر التاريخ كان الشغف بتوثيق اللحظة ونقل القصة غريزةً إنسانيةً متأصلة. قديمًا كانوا ينسخون الكتب بخط اليد، فكان الأمر يستغرق شهورًا لنسخ كتاب واحد؛ لكن حاجتهم إلى نشر العلم والأفكار بسرعة دفعتهم للبحث عن وسيلة أخرى، ألا وهي الطباعة.
“البداية في الشرق الأقصى”
تحديدًا في الصين -في عهد أسرة تانغ (618-907) ميلاديًا- توصَّل الصينيون إلى فكرة الحفر على ألواح من الخشب تُنقش عليها الحروف أو الرسومات المطلوبة، ثم يُغطَّى السطح بالحبر أو يُغطس فيه، وتُضغط الورقة عليه لتطبع الصورة أو النص. كانت تُعرف باسم “الطباعة بالكتل الخشبية”، ويُعتبر أقدم مثال موثق عليها كتاب “سوترا الألماس” الذي طُبع عام (868)، والمحفوظ في المكتبة البريطانية في لندن.
“الحروف المتحركة لبي شينغ”
في القرن الحادي عشر الميلادي، ابتكر المهندس الصيني “بي شينغ” فكرة الحروف المتحركة المصنوعة من الطين المحروق، كانت فكرته قائمة على صناعة كل حرف بشكلٍ منفصل، بحيث يمكن ترتيب الحروف لتكوين كلمات وصفحات، ثم تفكيكها بعد الطباعة وإعادة استخدامها مرةً أخرى. وتطورت الفكرة أكثر في كوريا، حيث استخدموا الحروف المعدنية بدلًا من الطين، وأنتجوا كتاب “جيكجي” سنة (1377)، وهو أقدم كتاب مطبوع بالحروف المعدنية في العالم.
“الثورة الأوروبية وبداية عصر جديد”
وفي منتصف القرن الخامس عشر ظهر “يوهان غوتنبرغ”، جمع ما تم اكتشافه في آلةٍ واحدة، فصنع مكبسًا للطباعة بالحروف المعدنية، واستطاع أن يطبع أول كتاب في أوروبا، وهو “الكتاب المقدس” المعروف باسم “نسخة غوتنبرغ”، وكان ذلك بداية ثورة معرفية فتحت الباب أمام نشر الكتب على نطاق واسع؛ بسبب سرعتها في الطباعة. ومع الثورة الصناعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تطورت الطباعة من عمل يدوي إلى صناعة ميكانيكية. ظهرت المكابس الحديدية، ثم المطابع الدوارة التي مكنت من طباعة آلاف النسخ. وهكذا وُلدت الصحافة الحديثة، وازدهرت صناعة النشر والتعليم.
“الطباعة الرقمية”
ومع دخول القرن العشرين بدأت مرحلة الطباعة الرقمية، فصارت الملفات تُرسل إلى آلة الطباعة، وتُطبع النصوص والصور كما هي. وما زالت الطباعة في حالة تطور، فقد دخلت التكنولوجيا الرقمية عالم الألوان الثلاثية والطباعة المجسمة، وأصبحت لا تقتصر على الورق بل تشمل: المعادن والبلاستيك وحتى الأنسجة البشرية في المجالات الطبية.
“الطباعة.. إلى أين؟”
رحلة الطباعة ليست مجرد تطور في الأدوات، بل هي أحد شواهد تطور فكر الإنسان نفسه وتحضره. من الطباعة على ألواح الخشب في الصين، إلى الحروف المتحركة والمعدنية، ثم مكبس غوتنبرغ، وصولًا إلى الطباعة الميكانيكية والرقمية الحديثة. هذه التطورات أسهمت في تيسير وصول المعلومات، وتعزيز التعليم، وتوسيع دائرة الفكر والابتكار، مما جعل الطباعة حجرًا أساسيًا في تقدم المجتمعات وتطورها العلمي، وبفضلها انتقلت المعرفة من يد القلة إلى عقول ملايين.