قسم طه حسين الكلام في قوله: “إن الكلام العربي: شعر ونثر وقرآن”، فذهب القرآن بعيدًا عن الأسلوب البشري بإعجازٍ، لا هو نثر ولا شعر. ويفرق ابن خلدون بين النثر والشعر -في مقدمته، في فصل العلوم الأدبية- فيقول في النثر: “هو الكلام المرسل الذي يُقصد به الإفهام دون التقيد بالوزن أو القافية، ويُعبّر عن المعاني بطريقة مباشرة ومبسّطة”، أما عن الشعر: “هو الكلام المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي، مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده، الجاري على أساليب العرب المخصوصة به”.
يختلف الشعر عن النثر في الأسلوب والتكوين والبناء نفسه، ويخص الشعر العربي سمات جعلته يتفرد عن أشعار اللغات الأخرى وجعلته علامة من علامات اللغة، بل جعلت له دورًا في مد عمرها وبقائها.
“تفرد العرب في الشعر”
تباينت عصور الشعر بين ازدهار وانحطاط تبدأ بشعر العصور الجاهلية وتصل للشعر الحديث والمعاصر، تمر على الخلافات الإسلامية المختلفة، صدر الإسلام، الأموي، العباسي، وعلى نفس المسافة الأندلسي، وعصر الدول المتتابعة.
حسب الدراسات التاريخية يُقال: “إن أقدم شعر وصل إلينا يعود إلى ما قبل (130) عامًا قبل الهجرة”، والقول فيه شك. لكن الثابت أن طريق العرب والشعر متصل من زمن قديم، ارتبطا في ممارسات الحياة، وعبّرا عن بعضهما البعض.
مما يجعل الشعر العربي متفردًا سمات مثل: الوزن والقافية، فهو يعتمد على العروض التي استنبطها “الخليل بن أحمد الفراهيدي” أبان العصر العباسي، وقسمها إلى خمس دوائر ومنها خمسة عشر بحرًا، وزاد الأخفش فيما بعد بحرًا آخرًا، فتميز بالأوزان والتفعيلات الثابتة لا على الإيقاع الطبيعي للغة كما في لغات أخرى.
أيضًا تنوعت موضوعات الشعر بين مديح ورثاء وغزل وهجاء وفخر، وعكست صفات وسمات تميزت بها اجتماعيات العصور المختلفة، ورد من الجاهلي مثلًا: “وأُفْعِلُ ما يَختارُ كُلُّ مُضَيِّفٍ.. وأَكْرَمُ ضَيفي، إن أَنا جِئْتُ مُضْطَرَّا”، منها ترى كيف كان يُعامل الضيف، وصفة الكرم القديمة. أما أشعار اللغات الأخرى جزء كبير منها متمحور حول محاولات الفهم والفلسفة والمشاعر الشخصية فقط.
وتفردات أخرى منها: الإلقاء والغناء في الأسواق وحتى اليوم على منصات التواصل المختلفة، ويقول حسان بن ثابت في موضع الغناء: “تَغَنَّ بالشِّعرِ إمّا كُنتَ قائِلَه.. إنَّ الغناء لهذا الشّعر مِضمارُ”.
“اللغة بالشعر”
ساعد الشعر العربي على المحافظة على اللغة وفصاحتها، حتى بعدما تفرقت على اللهجات وثقافات الدول العربية المختلفة، بقيت لغة عربية فصيحة تربطهم في مجتمع كبير واحد، ولغات عامية أخرى تطورت منها تخص مجتمعات صغيرة.
استشهد العلماء بالشعر العربي القديم لبناء قواعد اللغة، كان مصدرهم الثابت بعد القرآن والسنة، بل ونُظم الشعر لتعليم النحو وقواعد اللغة فنرى: منظومة “ملحة الإعراب” للشيخ أبي محمد القاسم بن علي الحريري (446 – 516 هـ)، وهي من أقدم المنظومات الشعرية التعليمية، والمنظومة الأشهر: “ألفية ابن مالك” المسماة بـ”الخلاصة” لجمال الدين بن مالك الأندلسي الذي جمع فيها خلاصة علمي: النحو والتصريف على نظم شعري، وتميزت بالتنظيم وسهولة اللفظ.
“كَلامُنَا لَفْظٌ مُفِيدٌ كاسْتَقِمْ وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ” افتتاح ابن مالك لباب الكلام وما يتألف منه.
وهذا جزء مما يختلف فيه الشعر العربي عن غيره، وما قدمه للغة، فهو كما قال أبو فراس الحمداني: “الشعر ديوان العرب.. أبدا وعنوان الأدب”.