لم تكن رواية “رجال في الشمس” مجرد حكاية عن ثلاثة رجال يبحثون عن لقمة العيش، بل نص مكثف يحمل داخله صرخة شعب كامل وجد نفسه فجأة خارج وطنه، يطارد البقاء وسط واقع قاسٍ لا يمنح سوى خيارات ناقصة.
هذه الرواية الأولى لـ”غسان كنفاني”، والتي صدرت عام (1963) في بيروت؛ لكنها مازالت حتى اليوم تُقرأ بوصفها شهادة مؤلمة على ضياع الإنسان حين يبحث عن الخلاص في طرق مغلقة.
وقع الاختيار على “رجال في الشمس” ضمن ترشيحات إحدى صديقاتي بعد فترة توقف كبيرة عن القراءة.
تعتبر هذه الرواية أول عمل قرأته لـ”غسان”، ولن يكون الأخير.
تحولت هذه الرواية لفيلم سينمائي، وحصل على عدد من الجوائز في مهرجانات متعددة، وتكمن قوة هذه الرواية من خلال السرد البسيط، وشخصيات تبدو عادية.. لكنه ينسج عملًا عميقًا يكشف هشاشة الإنسان حين يُحاصر، ويطرح أسئلة مؤلمة عن: الصمت، والخوف، والعجز، وعن الثمن الذي يدفعه المقهور حين لا يجد الجرأة ليطرق جدران الخزان.
وهكذا تتحول الرواية القصيرة إلى مرآة سياسية وإنسانية تلخص تجربة الفقد الفلسطيني، وتُبقي القارئ أمام سؤال لا ينتهي: لماذا يموت الناس في الطرق المغلقة دون أن يصرخوا؟
ما جذبني لقراءتها أنها تتحدث عن القضية الفلسطينية، فتدور أحداث الرواية حول ثلاثة رجال فلسطينيين من أعمار مختلفة، هم: أبو قيس، وأسعد، ومروان، لم يجمع بينهم سوى المعاناة، والعيش في المخيمات والحياة المؤلمة، يعيشون في البصرة، ويكتشفون أن الحل الوحيد لمشاكلهم هو السفر إلى بلد أكثر ثراء؛ لتحسين حياتهم وحياة أُسَرهم، ونظرًا لأنهم لا يملكون أوراقًا شخصية تمكنهم من السفر، لم يجدوا طريقًا أمامهم سوى الهجرة غير الشرعية عن طريق الصحراء، ثم يظهر لهم “أبو الخيزران” المهرب الذي يهربهم في خزان سيارته من البصرة إلى الكويت مقابل عشرة دنانير.
تبدأ الرواية مع “أبو قيس”، وهو الرجل المُسن المشتاق إلى وطنه وإلى الماضي، ويريد شراء أرض وبيت ويزرع أشجار الزيتون من جديد.. ثم يتبعه “أسعد”، شاب مناهض تطارده السلطات بسبب نشاطه السياسي، يريد أن يجمع المال ليرد لعمه الخمسين دينارًا التي قد أعطاها إياه ليبدأ حياته ويتزوج ابنة عمه، وتأتي الشخصية الثالثة والتي تثير التعاطف وهو “مروان”، شاب في السادسة عشرة من عمره يضطر لترك المدرسة وخوض هذه المغامرة أملًا في جني المال؛ ليُعيل أسرته بعدما توقف أخوه الكبير عن إرسال الأموال لهم بعدما تزوج.
“كانت السيارة الضخمة تشق الطريق بهم وبأحلامهم وعائلاتهم وآمالهم وبؤسهم ويأسهم. وقوتهم وضعفهم وماضيهم ومستقبلهم”
استطاع غسان من خلال هذه العبارة رسم صورة مكثفة؛ فَـ”السيارة الضخمة” هنا ليست مجرد وسيلة نقل، بل تتحول إلى وعاء يحمل البشر بكل ثقلهم الإنساني: بأحلامهم التي تدفعهم للأمام، وبخيباتهم التي تُثقل قلوبهم، وبما تركوه خلفهم وما ينتظرونه أمامهم، وكأن الطريق ليس مجرد مسافة تُقطع، بل رحلة وجودية تصطحب معها التناقضات البشرية: القوة والضعف، الأمل واليأس، الماضي المُثقل بالوجع والمستقبل المجهول.
“الشمس وسط السماء ترسم فوق الصحراء قبة عريضة من لهب أبيض، وشريط الغبار يعكس وهجًا يكاد يعمي العيون”
جمعت هذه العبارة كل رموز الرواية، فيمكنك أن تشعر بشدة حرارة الشمس التي تعكس الواقع وسط الصحراء التي ترمز للعزلة، ليجسد المعاناة في قانون الصحراء القاسي؛ حرارة لا تطاق، و ضوء حارق، وظروف تضع الإنسان في مواجهة مباشرة مع الطبيعة بلا رحمة.
“لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟”
هل لأن الموت واحد وإن تعددت أشكاله واختلف مكانه، أو ربما العجز والهلاك الذي سلبهم طاقتهم و أنفاسهم الأخيرة! هذه الصرخة صرخة لوم واتهام للرجال الثلاثة الذين ماتوا صامتين داخل الخزان دون مقاومة. هذه الجملة أصبحت خالدة، ليس لأنها سؤال في قصة، بل سؤال موجه لكل زمن: هل نموت لأن الظروف قاسية؟ أم لأننا لا نملك الشجاعة لنقول “لا”؟
رواية قصيرة من (112) صفحة يمكنك قراءتها على دفعة واحدة، استطاع خلالها غسان كنفاني بلغة بسيطة وسرد مكثف لا يحتوي حشوًا أن يجعلك تصل إلى النهاية وأنت تشعر بقبضة علي صدرك.
رواية مليئة بالشجن والحزن، وحقيقية ومعبرة.. جسدت القضية الفلسطينية في الخزان!
- التقييم: (9/10).